حينما أعطى العالم رأسه لثورة ثقافة الصورة ، وقام بأرشفة كل وثائقه السرية سياسية كانت أم اجتماعية ، أو حتى استخبارية ، وقام بتشفيرها ، لم يدر أن الذي اخترع ثقافة الصورة يمكن أن يكون قادراً على فك تلغيزات جميع الشيفرات ، التي تفضح هذه الوثائق. ويعمل على فضح أدق الاسرار الدولية ، ومحاولة بيعها والمتاجرة فيها.
فبعد ثقافة الصورة التي ترصد مشهدية العالم أجمع بالكاميرا التي يحملها المصور التلفزيوني ، أو الصحفي ، مروراً بالأقمار التي لم تعد بريئة هي الأخرى في السماء ، وهي ترصد حتى دبيب النملة ، فان كل شيء بات مفضوحاً ، وبات السر الذي يمكن ان يتأرشف لما يزيد عن الثلاثين عاماً حتى يفرج عن محتوياته ، حالة تستدعي الفكاهة.
ومن راقب هذا الارتباك الدولي الذي أحدثه موقع "ويكليكس" ، حين كشف عن آلاف الوثائق السرية ، التي تخص أدق التفاصيل الحربية ، التي يحتفظ به "البنتاغون" ، حول حرب امريكا في افغانستان والعراق ، ونشر الغسيل السياسي الامريكي والعراقي والافغاني على هذا النحو ، سيدرك أن ثقافة الصورة التي تقدم نفسها باعتبارها وسيلة تواصل عبر مواقع مثل جوجل والياهو وحتى الفيس بوك ، ماهي الا سلطة جبارة ، سيكون لها الاثر الحقيقي في تحطيم مجموعات قيمية راسخة فيما يخص الارشفة والتوثيق واسرار الدول عموماً. وأن الوثائق التي كانت تتغلف بحرص نادر وتذهب الى خزائن معدنية هائلة كي تغفو في الأرشفة صار من الممكن حل شيفرتها وتعميمها حتى على أقل سكان العالم وعياً.
انّ ما قام به موقع": ويكليكس" يؤكد أنه ما عاد من الممكن التعامل مع التاريخ باعتباره ذلك الكائن الدهري ، الذي يطل علينا بذقنه الحنائية ، وهمساته التي تكاد تكون مقدسة ، بل صار من السهل انقاذ البشرية من الهيبة الكاذبة للتاريخ وفضحه قبل أن يتستر ، وقبل أن يدخل في المهابة.
ان الزلزال المعلوماتي الذي أحدثه موقع "ويكليكس" ، سيجعل أعتى الدول التي تعتمد التكنولوجية المعقدة لحفظ وثائقها ، تعيد النظر ، في هذه السرية التي كشفت عن عورتها على هذا النحو المفزع.
وبناء عليه ستتوالى الزلازل الفضائحية في حرب الكشف عن أدق المعلومات الساكنة في الوثائق ، ذلك اننا ومع ثقافة الصورة التي لا تكذب ، سنكون على موعد مع قرن ، على الأغلب ، خلع أو أنه سيخلع ورقة التوت.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور