أتمنى ، أن تقوم ادارة التلفزيون ومع بداية كل فصل باختيار المذيعة التي تتوازى مع بشارة الفصل الجديد.
أنا لا أجدف ، فأنا أقترح مع بداية فصل الشتاء أن تطل علينا في النشرة الجوية امرأة لبونة ، ذات ملامح طافحة بالعافية بينما وجهها المستدير المشبع بالحمرة ، يعاود احضار وجوه الامهات وبشارتهن الطافحة دائماً بالخير ، وبوعد المطر.
وأن تبشر بالصيف امرأة تشبه الصديقات النادرات اللواتي يتسمن بخفة الروح ، وبصوتهن الذي يمنحنا ايقاعه رغبة فتح مصارع السماء بتلك الزرقة وتلك الشمس المشعة.
وأن يبشر بالربيع طفل يلثغ بنطق التوقع وبشارة أن تجدد الأرض ثوبها الأخضر ، وأن يبشر بالخريف رجل هرم يشبه أعمارنا التي لم تتخل بعد عن براءتها.
نعم أنا تحديداً أعترف بأني تأذيت تماماً من هرطقة الفصول ، والفكاهة الكونية لثقب الأوزون ، وارتباكها على هذا النحو ، بحيث يبدو الصيف حينما يحل وكأنه يرفض فكرة الانصراف وترك مساحته للمطر القادم ، فيبقى لزجاً بزئبقية موجعة في الفضاءات والأمكنة ، بينما يجيء الشتاء بتوقع لزخات مطر متفرقة.
أنا أكره الزخات المتفرقة التي تتوزع ببخل على الأرض. أنا أحب ذاك المطر الذي يتعب كثيراً كي يهذب اندفاعتها المائية في الهطل ويتحول الى رذاذ يُعيدنا الى معاودة تنشق رائحة الشتوة الأولى ذات الطعم الترابي المبلل الذي يوقظ ذاكرة كاملة. ويهيج الروح بلغة العطش الارضي الغامض.
أنا أحب تلك الشتاءات التي تربيت عليها ، وأنا أرى التماعة البرق التي تأخذ اللب ، وهي تشق الأفق بالضوء الذي يخطف البصر ، وقرقعة الرعود ، التي كانت تقودنا الى التهليل والتسبيح ، وذلك النحيب المائي الذي كانت تطلقه المزاريب وهي تشقع باندقاع الماء في استطالتها المعدنية.
وأنا أحب تلك الشتاءات التي كانت تحاصرنا في بيوتنا لايام ونحن نطل عليها من النافذة ، ونحن نتحسر على ابنة الجيران التي انسحبت من اطلالتها على الشرفة ، وتركتنا نلتف حول المدفأة وحول الأم التي غابت في نسج الصوف.
أنا لا أحب تلك المذيعة النحيلة التي تبشرني بوقوع زخات متفرقة.
وأنا لا أرغب هذا الشتاء البخيل الأعزل. وأظل بانتظار ذاك المطر الذي يبلل روحي بمائه الهادر ، وزخاته التي لا تهدأ.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور