ما أن يتجاوز الواحد منّا سن الاربعين ، حتى تبدأ الخريطة الجسدية بتشكيل التشققات والتفسخات في عافيتها. فيبدأ الضغط بالارتفاع وتأخذ الشرايين طريقها الى التصلب ، وتزداد الامور عند ذاك "الكرش" الذي ظلّ ينم عن الوجاهة لتكتشف ان هو الا مكان لمصران غليظ احمق وصبياني اسمه "القولون".
هذا عدا الاوجاع الفرعية في الأذن والاسنان ووجع الأرجل والمفاصل. ونحن هنا لن نتحدث عن الرعب في توقع الجلطة التي تورث الشلل ، ولا عن تلك الخلايا التي لا تعجبها سيمفونية الجسد فتقرر التمرد وتشكيل الأورام المسرطنة التي تؤدي الى الموت.
والغريب انك وكلما بالغت في تدليل جسدك بالاطعمة النوعية ، وبتحاشي الدهنيات ، وفتح رصيد خاص بك تحت عنوان السعرات الحرارية وتقتيرها الموجع ، يزداد الجسد حمقاً ومناكفة ، وهو يسلمك مخفوراً الى الوسواس القهري الذي يتسلط على رأسك بتوقع الكارثة الصحية التي قد تذهب بك الى العناية المركزة.
ولهذا قررت أنا تحديداً اهمال كل الترقبات لجسدي ولحالاته المتقلبة التي أخذت تتقاذف بي في السنوات الاخيرة ، وقررت ان آكل ما اشتهي ، وأشرب ما أشتهي ، وأن أنام كما أشتهي. لا بل قررت مؤخراً الانتساب لنادي صحي استرد من خلاله ذاكرتي المائية التي هجرتني منذ أن غادرت بحر "أبو ظبي" الذي كنت ازاول فيه السباحة والمشي على كورنيشه يومياً.
ذاكرتي المائية هذه أعادتني الى نشوة الغطس في الماء والسباحة في استطالة مائية طويلة ورائعة ، ومن ثم الخروج الى الغرفة البخارية وجعل مسامات الجسد تتنشق ذاك البخار الساخن ، ومن ثم الخروج والذهاب الى غرفة الساونا وبعد ذلك الغطس في بركة "الجاكوزي" في الماء االذي تصل درجة حراته الى مايزيد عن الاربعين درجة مؤية ، ومن ثم الخروج للتمتع بانسياب الماء البارد فوق مسام الجسد.
فعلت كل هذا وكنت في أسعد حالاتي الصحية ، وأنا اخرج من النادي وأتنشق ذاك الهواء الذي هو أوكسجين بالفعل.
فعلت كل هذا ، لكني وحينما نهضت من نومي بالامس ، وجدت احدى فقرات ظهري تكاد تتحطب وهي تشدني وتطلق ذاك الوجع الذي يشبه وجع الاسنان تماماً. وحينما ذهبت عند الطبيب ، فتح لي محضراً صحياً وأخذ يسألني السؤال تلو السؤال. وفي النهاية كتب لي بعض المسكنات المهدئة لهذا الوجع المقترح والجديد وهو يقول على الاغلب انها لفحة هواء.
وحين خرجت لم أتوان عن البصق على جسدي هذا الذي أخذ يتربص بي على هذا النحو الصبياني المخجل.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور