ما زالت وقفة العيد تقودني الى احساس غامض بالحزن ، وربما بالفقدان ، وتحديداً فقدان الأعزاء. حين كنّا أطفالاً لم تكن الفرحة تسعنا ، ونحن نتشاغب مع الوقت كي يمر نهار الوقفة ويجيء الغروب كي نغفو ونحن على موعد مع صباحية العيد وبهجته التي تُطير عقولنا الصغيرة بوعد المصافحات وتقبيل الأيدي من أجل الحصول على معايدة تكفينا لمدة ثلاثة أيام. كي تفتري بشراء كل السلع التي كان من المستحيل التعاطي معها ، أو الاقبال عليها.

لكن اللافت للانتباه آنذاك هو تلك الحركة المنزوية للأم التي تبحث عن مكان يتيح لها فرصة البكاء على الأهل والأصدقاء والجيران ، وباقي الأعزاء الذين فقدتهم عبر مشوارها الحياتي.

الآن وأنا أقف في وسط البلد وسط حشود الناس أتذكر بكاء أمي ، ونحنحة والدي وهو يتستر على دمعته هو الآخر ، صباح كل عيد.

أن الأطفال الصغار الذين يشبكون أيديهم النحيلة بأيدي أمهاتهم ، ويتعثرون في مشيتهم ذاك التعثر المُبهج ، يحاولون اقناع امهاتهم بضرورة الاستجابة لطلباتهم في شراء ذاك البنطال أو هذا القميص ، أو حتى تلك اللعبة المدلاة بخيوط البائع. الا أن الأم المدربة على التصرف فقط بالمبلغ المتبقي ، تزجرهم وتشد يدها على أيديهم ناهرة اياهم. أحاول أن أتتبع تلك المرأة وأن أراها كيف ستحتال على أبنائها الثلاثة بشراء ما تيسر من البضائع والعودة السريعة للبيت.

أراها تسير في شارع الملك طلال بحزم وكأنها تعرف سلفاً الى اين هي ذاهبة ، ومن ثم ننحرف يساراً الى الشارع المؤدي لسقف السيل ، أراها تتوقف أمام كومة من البالات والملابس المستعملة الخاصة بالاطفال ، وتشتري بسرعة ثلاثة بناطيل بدينار ونصف الدينار ، ومن ثم تشتري قمصان شتوية ذات الوان مبهجة. ندفع للبائع خمسة دنانير فيعيد لها الباقي ومن ثم تقود اطفالها باتجاه شارع الملك طلال وأراها تقف بانتظار باص المؤسسة وحين يطل عليها الباص توقفه وتصعد اليه بخفة هي والابناء الثلاثة ، وتغيب.

أقف وحدي على طرف الشارع أفكر بهذه المرأة التي خرجت من سوق منتصف البلد وهي تشعر بالانتصار ، لكني شعرت بالغصة وأنا أفكر في هذه المرأة التي ستطلق الأبناء صباح العيد في الحواري المجاورة ، ومن ثم تبدأ بالبحث عن المكان الذي يعطيها فرصة النحيب ، وهي تتفقد خساراتها كما تفعل في صبح كل عيد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور