قد يشكّل مؤتمر جنيف الفرصة الأخيرة لوقف الفوضى ونزف الدم في سورية. والمؤتمر المزمع عقده في جنيف، باتفاق روسي-أميركي، يكاد يكون الخطوة الأهم في سياق الجهد السياسي والدبلوماسي بعد فشل مهمة الأخضر الإبراهيمي، لمحاولة التوصل لحل سياسي للأزمة السورية. وذلك يعني أن نهاية الأزمة السورية لم تعد بيد اللاعبين المحليين والإقليميين، وإن كان دورهم مهماً في إنجاح المؤتمر؛ بل أصبحت هذه النهاية بيد الدول الكبرى، وبخاصة روسيا وأميركا.
السؤال المهم: هل المؤتمر الدولي هو الآلية الملائمة لحل النزاع السوري، بأبعاده المحلية والإقليمية والدولية، أم أنه كان من الأفضل أن يتم التوصل إلى اتفاق بين الأطراف كافة، ثم يتم الذهاب بعد ذلك إلى مؤتمر دولي لإقرار الاتفاق وإعطائه الشرعية؟
إن نجاح المؤتمر لا يتطلب فقط موافقة اللاعبين الأساسيين في سورية (الدولة والمعارضة)، واللاعبين الإقليميين (تركيا، وإيران، وإسرائيل، والدول العربية)، واللاعبين الدوليين؛ على المشاركة في المؤتمر، وإنما أيضا الاتفاق على حل الأزمة.
نقطة الخلاف الرئيسة بين روسيا وأميركا والأطراف الأخرى هي حول ما إذا كان رحيل بشار الأسد يكون في بداية العملية الانتقالية أم نتيجة لها.
وعلى الرغم من أن اتفاق "جنيف1"، والذي يشكل الأساس لمؤتمر "جنيف2"، لا ينص على رحيل الأسد مسبقاً، إلا أن بعض الأطراف الدولية والمعارضة السورية تؤكد أنه لا حوار مع الأسد، وأن رحيله يجب أن يكون شرطاً للعملية الانتقالية، وليس نتيجة لها. بينما تتبنى روسيا والحلفاء الإقليميون وجهة نظر إبقاء الأسد حتى موعد الانتخابات الرئاسية العام المقبل.
إن للنظام السوري مصلحة في عملية انتقال سلمية حتى يتجنب السيناريوهات الأخرى، علماً بأنه يحضر لهذه السيناريوهات، ولكنه لن يهرول للذهاب إلى مؤتمر جنيف في ظل شروط مجحفة من وجهة نظره. يعزز ذلك الموقف استعادة النظام لزمام الأمور عسكرياً في الأسابيع الماضية، من خلال استعادة السيطرة على عدد من المواقع الاستراتيجية، بفضل الدعم العسكري الذي يتلقاه من حزب الله، وإيران، والعراق. وعليه، لن يكون قبول النظام بحل سلمي للأزمة يسيراً. إضافة إلى ذلك، فإن الجبهة الداعمة له ما تزال متماسكة بشكل كبير. ولكن الروس والإيرانيين يستطيعون أن يؤثروا في القرار السوري بالانخراط في العملية السلمية من خلال مؤتمر جنيف.
إن حضور المعارضة لمؤتمر جنيف شرط أساسي لإنجاحه. ولكن هناك صعوبات بالغة في ذلك. فالمعارضة السورية منقسمة بين الخارج والداخل، وفي كلتا الحالتين هناك عشرات المجموعات أو الفصائل السياسية التي أثبتت تجارب العامين الماضيين أن خلافات حادة تجعل من الصعوبة جمعها تحت مظلة واحدة. ويضاف إلى ذلك ارتباط فصائل المعارضة بمرجعيات إقليمية وعالمية لها توجهات سياسية مختلفة.
كذلك، ليس للمعارضة السياسية في أغلبها علاقة أو سيطرة على المعارضة المسلحة التي تحارب النظام السوري، ما يضعف قدرتها على تطبيق أي اتفاقية في حال التوصل لها.
والحال لا تختلف لدى المعارضة المسلحة. فهناك أكثر من 20 فصيلاً مسلحاً تختلف في مرجعيتها الفكرية والإقليمية والأهداف التي تحارب النظام من أجلها، لكن القوى الإسلامية، وبخاصة جبهة النصرة، قد تكون أقواها وأصعبها لقبول حل سياسي للأزمة السورية.
المشهد الاقليمي والدولي لا يقل تعقيدا. وإذا شعر بعض الأطراف الدولية أو الإقليمية بأنه لم يتم مراعاة مصالحه في حال التوصل إلى اتفاق، فسوف يسعى إلى إفشال العملية.
المشهد معقد، ولكن الفرصة الوحيدة المتاحة حالياً هي مؤتمر جنيف. وبالرغم من أنه ما يزال من المبكر الحكم على نتائجه، إلا أن الصورة قد تكون أوضح بعد اجتماع أصدقاء سورية في عمان الأسبوع المقبل.
إن البدائل للحل السلمي تنحصر في اثنين، إما تدخل دولي بقيادة الولايات المتحدة وهو غير قائم وغير محتمل لتبعاته الخطرة على المنطقة، وتردد أميركا خوفا من سيناريو شبيه بالسيناريو العراقي؛ أو انزلاق سورية إلى الفوضى والشرذمة والحرب الأهلية والتقسيم، بكل ما يترتب عليه من مخاطر، وهو البديل الأكثر احتمالاً.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  تصنيفدد. موسى شتيوي.   جريدة الغد