من الواضح أن الفقه السياسي السائد في كل عصر ، يظل محكوماً بالانجازات التي يحققها هذا الطرف أو ذاك ، لوجستياً على أرض الواقع. ان هذه الانجازات تبدأ بالتشكل اللغوي ، وتحقيق الاشتراطات في منطق الساسة الذين يقبلون على مرحلة القطاف التي تحققها المفاوضات. بحيث تظل الاشتراطات التي يقدمها الطرف الذي حقق انتصاراته على أرض الواقع أشد ايلاماً للطرف الخاسر أصلاً.
من هنا يمكن أن نفهم "الغنج" التفاوضي الاسرائيلي مع كافة الاطراف العربية التي تعتبر بشكل أو بآخر طرفا في الصراع مع اسرائيل. ومن هنا يمكن أن نفهم كيف استطاعت اسرائيل خلال مفاوضاتها مع السلطة الفلسطينية التي انطلقت من أوسلو وحتى هذه الأيام ، أن تحول القضية الفلسطينية برمتها الى قضية استيطان ، الى هدف يدفع بالحكومة الاسرائيلية الى اتخاذ قرار بتجميد المستوطنات الى مدة تصل الى تسعين يوماً.
والغريب أن الانجازات الاسرائيلية التي تمت على أرض الواقع الفلسطينية المحتلة ، قد استطاعت في مرجعياتها التفاوضية ، إلغاء فكرة منطق الصح السياسي والتاريخي وجب جميع استحقاقاتها والعمل على استخراج الصح السياسي والتاريخي من فكرة الخطأ الأصيل والمتأصل في ذهنية الاحتلال العبري.
والورقة التي قدمتها وزيرة الخارجية الامريكية هيلاري كلينتون ، وبموافقة من الرئيس أوباما ، والتي تشتمل على وعود امريكية ، بمنح اسرائيل عشرين طائرة "اف - "53 مجاناً اضافة الى ضمانات سياسية وأمنية أخرى مقابل موافقة اسرائيل على تجميد الاستيطان في الضفة الغربية ، تستحق من السلطة الفلسطينية وباقي السلطات العربية أن تحدق في هذه الصفقة التي تدلل على مدى الانجازات التي حققتها اسرائيل على أرض الواقع الفلسطيني المحتل ، والى أين وصل الدلع العبري في التفاوض ، هذا الدلع الذي استطاع ان يمنح اسرائيل قوة تحويل النهج التفاوضي معها الى استثمار لصالح نقيض التفاوض ، بمعنى أن تصبح المفاوضات السلمية غطاءً لحرب يومية هادرة ، واقامة حفلات يومية لفعل قضم الأراضي واحتلالها وتهويدها بقطعان المستوطنين.
وكدليل قاطع على محق أي صح تاريخي فان العرض الذي تضمنته صفقة أوباما يشتمل على طائرات حربية هي بالتأكيد ستظل بانتظار اشارة الحرب ، كما يتضمن وعداً الحفاظ على أمن اسرائيل ، والاستعمال الدائم لحق الفيتو ضد أي قرار دولي لا يكون لصالح اسرائيل.
أي فكاهة هذه الذي قدمها الرئيس أوباما حين دعم العدوانية العبرية مقابل تجميد هذه العدوانية لمدة تسعين يوماً بقرار وزاري اسرائيلي.
لكنها فكاهة نستحقها بجدارة لا لشيء سوى اننا تركنا المفاوض الفلسطيني يعيش كل هذا العُري السياسي والدولي.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور