هو يوم من الأيام التي بدأت أروض نفسي عليها ، فأنا ومنذ اطلالة صبحه الركيكة ، منذ تلك اللحظة التي أبدأ فيها بفتح العينين واغماضهما ، أحس بثقله يربض فوق صدري ، يساعده على ذلك الجدران الأربعة للغرفة التي تبدو وكأنها آيلة للسقوط فوق رأسي ، وتلك اللوحات التي فقدت بهجتها اللونية ، وذاك السرير الذي يغط في نعاس فراشي ثقيل. هو اليوم الذي يجعلك تشعر بأن الفراش يطردك والغرفة أيضاً.

هو اليوم ذاته أعرفه من نهوضي المتكاسل الذي يقودني الى النافذة كي أزيح الستائر لأقع في فخ شمسه الصباحية المريضة ، وهو ذاته الذي يفقدني طعم التبغ والقهوة وهو الذي يجعل تنفسي ثقيلاً الى هذا الحد.

هو اليوم ذاته الذي يجعلني أهرب من سذاجته كي ارتدي ملابسي وأخرج مسرعاً وأقف أمام بوابة بيتي كخاسر حقيقي للناس والأمكنة ، فأبدو أعزلاً الا من صور كابوسية ، تجعل من الأشجار المنتصبة على أكتاف الشارع وكأنها نباتات قبرية ، وتجعل فكرة الأسفلت الذي أسير فوقه محض هراء.

هو اليوم ذاته الذي يجردني في تلك الصباحات من أعز الناس عليّ ليجعلهم يبدون كدمى بلاستيكية ، لا تتقبل المصافحة أو الحنو أو حتى العناق. هم الاصدقاء الذين حطوا في القلب وأعلنوا عن رحيلهم المباغت هذا الصباح ، وبالرغم من قدرتي على استحلاب المحبة وتأثيثها بالمشاعر الانسانية الجياشة ، الا أنني أفشل تماماً وأراهم يتكسرون أمامي بتشظ موجع.

وهو اليوم ذاته الذي يخلع من الأحشاء تلك المرأة ليحولها الى كائن ثقيل الأنوثة.

وهو اليوم ذاته الذي يجعلني وبرغبة مني في الحماية ، من هذا الوضع الكابوسي ، أن أُشير لباص المؤسسة ، ، ادس جسدي بين الركاب. لكن اليوم ذاته أاه يتقمصني وهو يجعلني أرى الركاب وكأنهم مخلوقات جديدة أراها لأول مرة ، فأبدأ في التحديق بالرقاب والشعر النابت على الرقبة ، والتحديق بتلك الأرجل المذعورة داخل أحذيتها ، وذاك السائق الذي يفرد يديه على المقود بفحولة غير مبررة.

هو اليوم ذاته الذي يوقعك بفكاهة الأسواق والمولات وتلك الابتسامة الاستدراجية السمحة للباعة والتجار ، وأصحاب البسطات الطائرة. والذهاب نحو تأمل المباني القديمة والمراقبة الموجعة لمحال تم اغلاق بواباتها بالطوب.

هو اليوم ذاته الذي يجعلني أعد وقته من الصبح وحتى الضحى مروراً بالظهيرة والعصر واقتراب شمس الأصيل وحتى يحط الليل.

هو اليوم ذاته الذي يجعلني وحينما أمدد جسدي على فراشي ، أتنهد وأنا أقول :يا لك من يوم منزوع الحياة والدسم"


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور