القطيعة الاجتماعية التي تعيشها المجتمعات العربية وعدم الرغبة بالتواصل المرئي حد المصافحة والعناق ، تحولت هذه الأيام إلى حالة تواصلية تكاد تشبه الحاحات الحمى ، وذلك بفضل موقع أل"فيس بوك" الذي يمكنك أن تجترح مدونتك الخاصة بك ، والتي توصلك بكل من تريد ، وعلى كافة الصعد.
وظاهرة التواصل العربي على وجه الخصوص عن طريق أل "فيس بوك" ، تحتاج إلى منظرين في علم النفس الجماعي ، لنفهم طبيعة هذه الحرية التي تبدو منفلتة من عقالها المكبوت اجتماعياً ، لكنها في لحظة المشاهدة الفيزيائية للشخص الذي تتواصل معه الكترونياً تحول إلى مشاهدة بلاستيكية وحيادية موجعة.
وفي هذا السياق يحق لنا أن نسأل ونقول أو تكون هي الرغبة المزمنة عند العربي في الاختباء والتواري خلف الأجهزة وفي الحبر المكهرب؟ أم هي الرغبة المسحوقة الهمس التي تسمى بالوشوشة وخصوبة خصوصيتها ، والعمل على تعميق الحفر فيها؟ أم هو جبن المشاهدة الفيزيائية للشخص المراد التواصل معه.
من يجترح موقعه الخاص على أل"فيس بوك" سوف يرى العجب العجاب ، من هذه الحمى المتواصلة بين الناس وبغض النظر عن الأعمار . سيجد علاقات كان يعتقد أن الزمن طواها وغابت في النسيان ، وسيراها وهي تنهض على طريقة نهوض طائر "الفينيق". وسيجد أن الأصدقاء الذين يجاورونه جغرافياً في مكان العمل ، أو في مكان الإقامة وقد حضروا في مدونته بإلحاح عجيب ، مع انه يمكن تعميق هذه العلاقة عن طريقة المشاهدة أو المصافحة أو حتى الاتصال الهاتفي ، لكن التواصل عبر أل "الفيس بوك" يبدو وكأنه معفياً من جمرك الانفعال الحقيقي في العلاقة ، لأن العلاقة تظل ها هنا حبر على جهاز.
وما من واحد يمتلك صفحة على موقع أل "فيس بوك" إلا وتراه يمتلك كافة الإمكانيات ، فهو يقدر على سبيل المثال ، أن يصبح شاعراً ، مثلما يقدر أن يكون سياسياً مخضرماً يخوض في أدق المسائل السياسية وعورة ، وهو قادر على صياغة البيانات السياسية الشاجبة لكل ما هو سائد ، وهو قادر على أن يطور مهاراته العاطفية ، التي تربكه لحظة مواجهته مع الحبيبة ، بحيث يصبح أكثر جرأة في قول ما يريد دون أي إرباك. وخصوصاً حينما ينفتح باب "الشات" والحوار الآني المتواصل.
ويمكن القول أن أل "فيس بوك" بقدر ما يمنح حرية النطق للمتواصلين مع بعضهم ، يمنحهم أيضاً حرية الاختباء والتواري ، فالأنثى العربية تفضل على الأغلب وضع صورة مكان صورتها تكون على شكل وردة أو زهرة برية نادرة.
ان هذه الحمى التي تنتابنا جميعاً ونحن نؤسس لمواقعنا على ال "فيس بوك" لها علاقة معقدة وعجيبة مع عقدة الاختباء والتواري ، وجبن الإقبال على المشاهدة حد اللمس. وربما تغني مثل هذه المواقع مستقبلاً علم النفس الجماعي بالنظريات التي على الأغلب ستكون فاضحة ومدهشة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور