عادة، وفي أغلب الثورات التي عرفها التاريخ، لاسيما الثورات المسلحة منها، يكون هناك فصيل يتمتع بأيديولوجية مضادة، يحمل السلاح ضد النظام القائم. وقد كانت هذه هي الحال في أغلب الثورات التي شهدها القرن العشرون؛ من الصين إلى أميركا اللاتينية.
وفي الغالب أيضاً، تُشكل بعض الفئات الاجتماعية الحاضنة الشعبية للثورة والثوار، لأنهم يمثلون مصالح تلك الفئات ورؤيتها للمستقبل. إلا أن الحال تختلف قليلاً في الدول العربية التي شهدت صراعاً مسلحاً على السلطة نتيجة لهذه الثورات، كما في ليبيا وسورية مثلاً.
في بداية الثورة السورية، شكّل سكان الريف الحاضنة الطبيعية للثورة والثوار، على اختلاف مشاربهم الفكرية والسياسية والأيديولوجية. ولكن الحال اختلفت نسبياً عندما انتقلت الثورة إلى المدن، وعندما حاول بعض الفصائل فرض نظامه العقائدي على المناطق التي استولى عليها.
وقد شكّلت جبهة النصرة التي أعلنت ارتباطها بتنظيم القاعدة، وانضمت لتنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وأعلنت ولاءها لأيمن الظواهري؛ الرجل الأول في "القاعدة"، شكلت حالة استثنائية في الثورة السورية. فمن جانب، كانت وما تزال التنظيم الأقوى والأشد عسكرياً، والذي حقق انتصارات عسكرية على النظام أثارت إعجاب الكثير من السوريين، لأنهم كانوا بحاجة إلى بديل قوي للنظام، وليس بالضرورة إعجاباً منبثقاً من الاتفاق والتوافق مع أيديولوجية جبهة النصرة. بالإضافة إلى ذلك، ضمت "النصرة" ضمن صفوفها مقاتلين، تتضارب الأنباء حول أعدادهم، من المقاتلين العرب والأجانب؛ من تونس وليبيا والجزائر والأردن ولبنان، بالإضافة إلى السوريين. ولم تكن "النصرة" تؤازر الثورة السورية ضمن مشروع سياسي منبثق من رحم طموحات الشعب السوري، بل كان لها مشروعها الأيديولوجي الخاص. ولم يهمها مشروع الثورة السورية، بل كانت تقاتل النظام السوري على أسس طائفية وعقائدية، وتطمح إلى إقامة حكم إسلامي متشدد، على شاكلة نظام طالبان في أفغانستان.
وفي المرحلة الأولى من الثورة، كانت الأنباء تفيد بأن جبهة النصرة وجدت دعماً أو عدم ممانعة شعبية لوجودها، وبخاصة في المناطق الريفية. وبدأت الجبهة بفرض نظامها الاجتماعي المتشدد في المناطق التي تسيطر عليها.
قبل أيام عدة، أشارت الأنباء إلى قيام تظاهرات شعبية في المناطق التي تسيطر عليها الجبهة في منطقة حلب وإدلب، احتجاجاً على محاولة الجبهة فرض نظامها الاجتماعي، وعلى ممارسات أعضائها مع السكان المحليين. وهذا النوع من التظاهرات نادر الحدوث في مراحل الثورة، ولكنه تطور مهم له دلالاته العميقة والمستقبلية على مستقبل سورية والثورة السورية.
ومفاد الرسالة التي تنطوي عليها تلك التظاهرات، أن الناس وإن دعموا الثوار لإسقاط النظام السوري، فإن ذلك لا يعني بالضرورة دعم أفكار "النصرة" أو أيديولوجيتها أو نظامها الاجتماعي. والدلالات العميقة الثانية هي أن الشعب السوري، وبخاصة في المدن الأساسية، لن يقبل بالعودة إلى الوراء، ويتوق إلى الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية التي لا يمكن أن تتحقق إلا في ظل نظام سياسي توجد فيه مساحة لكل الأطياف السياسية والاجتماعية. وهذا هو جوهر الثورات العربية الذي لم يتحقق بعد، بسبب الطبيعة الأيديولوجية للفئات التي تهيمن على السلطة.
إن خروج المواطنين احتجاجاً على ممارسات أعضاء جبهة النصرة، مؤشر على أن الشعوب العربية لن تسكت على الظلم مهما كان مصدره، وأنه لا يوجد مقعد دائم للقوى التي لا تلتزم بروح الثورات والانتفاضات العربية.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيفدد. موسى شتيوي. جريدة الغد