أظل أحسد وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون على استقامة جسدها ، وعلى تلك الإطلالة الفوقية التي تطلقها نظراتها وهي تتحدث بثقة في تصريحاتها السياسية ، وفي مؤتمراتها الصحفية ، وكعادتي أحاول أن أقدر عمر هذه المرأة ، أو أن أفكر بموعد هرمها الذي يبدو أنه سيتأخر كثيراً ، فأفشل. والأمر ذاته كان ينطبق على كوندليزا رايس التي كانت تحمل المواصفات ذاتها ، بل يقال أنها كانت حريصة على رياضة الركض الصباحي عند الساعة الرابعة تماماً ، أينما حلت وأينما ذهبت ، وقد كان هذا يجعلني أفكر بموعد الهرم الذي سيطرق باب هذه السيدة وأفشل. وكذلك كان مشهد فيدل كاسترو وهو ينتصب أمام الجماهير الكوبية كي يلقي خطبته التي كان يصل زمنها إلى أربع ساعات أحيناً ، بغض النظر عن عمره الثمانيني.

سقت هذه المقدمة عن معاندة الأعمار وتحدي الهرم ، كي أتحدث عن الثقافة القبرية التي تظل تلاحق المواطن العربي حتى الوصول إلى القبر.

وفي الحديث عن الثقافة القبرية عربياً أقول أن ثمة همّة جماعية تظل تستعجل هرم المواطن العربي ، واستعجال حادثة موته ، فأنت وحينما تقترب من عمر الخمسين مثلاً ، تبدأ بسماع مقولات مثل "اللهم حسن الختام" ، أو"بدك تأخذ عمرك وعمر غيرك" ، أو "العمر عبر".

وحينما تحاول أن ترتدي بعض الملابس التي من الممكن أن تعبر عن بهجتك الروحية ، تسمع الأبناء وهم يتناوبون عليك بالنصح أن مثل هذه الملابس لا تناسب عمرك. وإذا حاولت أن تجترح محاولة تعلم لغة جديدة على سبيل المثال ستسمعهم يتهامسون بالقول "بعد ما شاب ودوه عالكتاب".

أما إذا فكرت بممارسة رياضة الركض الصباحي مثل كوندليزا رايس ، فان أول تهمة سوف تنسب إليك هي "الجنون".

وأنا مازلت أذكر القصة التي حدثني فيها أحد الأصدقاء ، والتي قال فيها ، أنه وعندما عاد من يوغسلافيا في نهاية الثمانينيات ، نهض من فراشه ، وارتدى ملابسه الرياضية ، وحينما بدأ بالركض أطلق عليه أحدهم الرصاص ، وحينما سأل الرجل الذي أطلق عليه الرصاص عن السبب ، قال له لقد اعتقدت أنك سرقت شيئاً وهربت.

وحينما يبدأ عمرك الستيني عربياً فعليك أن تتوقع أن كل الأخطاء العفوية التي يمكن أن ترتكبها ، في عدم السماع ، أو بسبب اضطراب مفاجئ في خطواتك ، أو ضياعك في أحد الطرقات. كل هذا سيحال إلى تفسير واحد هو "الختيرة" ، وربما الخرف.

إن العربي وهو يتقبل كل هذه الثقافة الوأدية ، يقترب فعلاً من فوهة لحده لا لشيء سوى أن الثقافة الجمعية السائدة تدفعك باتجاه الموت.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور