كثرت التكهنات حول استراتيجية الدولة في التعامل مع جماعة الإخوان المسلمين، نتيجة لتداعيات الأحداث الجارية في مصر. وتراوحت السيناريوهات بين الانقضاض على "الجماعة" واجتثاتها، وبين عقد صفقة معها لإعادة اندماجها.
بداية، إن مصطلح "اجتثاث" ليس من المفردات السياسية للدولة الأردنية، وليس في قاموسها؛ وإنما يرتبط بالحركات الإقصائية أو الجهوية. وعليه، فإن هذا السيناريو لن يكون خياراً سياسياً للدولة الأردنية التي تتسع لكل التيارات السياسية.
وبما أنّ سيناريو الاجتثاث ليس خياراً سياسياً جيداً، فإن عدم تصويب أوضاع "الجماعة"، والاستمرار بالوضع الراهن، قد ثبت بالتجربة أنه أيضاً ليس خياراً جيداً؛ لا للدولة، ولا للإخوان أنفسهم، ولا للمجتمع.
إن استمرار التوتر بين الإخوان والدولة والمجتمع، والعداء الظاهر للذين يختلفون مع الإخوان، والتشكيك المستمر في نوايا الدولة والحكومة والبرلمان، كلها ضارة أيما ضرر بالعملية السياسية برمتها. كذلك، فإن استمرار ارتباط "الجماعة" وتداخلها ببرامج وأجندات عابرة للقطرية، وإخضاع السياسة الوطنية لها، أصبحا إشكالية فيما يتعلق بالمسار السياسي الداخلي.
إن التداخل بين الدعوي أو الديني وبين السياسي لا يمكن أن يستمر، وترفضه فئات واسعة من المجتمع، ولا تتحمله الحالة الديمقراطية في أي بلد، وليس في الأردن فقط. فالدعوة التي قام الإخوان على أساسها موجهة نحو المجتمع لزرع الأخلاق والقيم النبيلة التي حثّ عليها الإسلام، مثل الصدق والنزاهة والتكافل والمحبة والوسطية. أما السياسة، فهي حول التنافس على السلطة والمصالح الاقتصادية، الجماعية والفردية. وقد يكون الجمع بين الاثنين ممكناً نظرياً، لكنه بالممارسة كان يقود دائماً إلى تطويع الدين للسياسة. إن كانت توجد حقائق مطلقة في الدين، فهي ليست موجودة في السياسة التي تحتمل الرأي والرأي الآخر، وتحتمل الخطأ والصواب.
وإذا كان الاجتثاث مرفوضاً، فإن التصويب أصبح ضرورة؛ ولا بد من فض التشابك والتداخل بين الديني والسياسي في "الجماعة". وهناك نماذج إسلامية ناجحة في هذا المجال، من تركيا إلى إندونيسيا إلى المغرب العربي.
ولكن السؤال هو: من يقوم بعملية التصويب؟ هناك طريقان لا ثالث لهما: إما أن تقوم الدولة بهذه العملية، من خلال المؤسسات الدستورية والقوانين والتشريعات؛ أو أن تقوم بها "الجماعة" كعملية تصويب ذاتي ضمن التطور السياسي الطبيعي لأي حركة؛ أو بالتوافق بينهما.
ليس جديداً القول إن جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لها تجربة مختلفة عن بقية جماعات الإخوان في الدول العربية الأخرى؛ فهي جزء لا يتجزأ من الحالة السياسية الأردنية التي عاصرتها "الجماعة" لأكثر من ستة عقود من حرية العمل الدعوي، ولاحقاً السياسي. كما شاركت في البرلمان والحكومات في السابق، وتمتعت بعلاقة دافئة مع الدولة في فترات عديدة.
وهنا يجب التمييز دوماً بين "الجماعة" باعتبارها تنظيماً وبين أنصارها من المواطنين الأردنيين غير الأعضاء فيها، ولكنهم يدعمونها سياسياً، وبخاصة في الانتخابات.
لذلك كله، فإن الجماعة هي الأقدر على إجراء المراجعة الذاتية والأجدر بها، بالمبادرة إلى عملية التصويب التي ستسهم، من وجهة نظري، في إحداث تطور كبير، ليس فقط على مستوى الأردن، وإنما على المستوى العربي؛ وهو الخيار المفضل، وإن لم يكن الأرجح.
إن التحول الجارف نحو الديمقراطية، عالمياً وعربياً، ليس فيه مكان للحركات الشمولية والعقائدية. وإذا لم تستطع "الجماعة" القيام بعملية التحول ذاتياً، فإن القوى المجتمعية والسياسية سوف تدفع باتجاه ذلك في المستقبل.
إن الله والوطن للجميع، ولا يجوز لطرف أن يحتكر تمثيلهما. أما السياسة، فهي مجال خصب للتنافس وتحقيق المصالح، يُشارك فيها المتدينون من خلال الأحزاب السياسية كافة.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة تصنيفدد. موسى شتيوي. جريدة الغد