حينما يهبط بك الباص ذاك الشارع المؤدي إلى ساحة رغدان ، وتطلق نظراتك باتجاه الأفق الشرقي لعمان ، تصاب بما يُشبه القشعريرة الروحية وأنت تحدق ملياً ، بنصف الدائرة المتشكلة أمامك وبالفضاء الرصاصي التي تخلفه شمس عمان الصباحية ، على تلك البيوت التي تتسلق الجبال بأساساتها الإسمنتية ، وشرفاتها المعتقة بإطلالة تبدو وكأنها أبدية ، وتلك النوافذ التي تبدو كأعين صباحية ناعسة.
تهزك هذه الإطلالة ، وأنت تعرف تماماً ما الذي يوقظه في روحك شرق عمان. شرق عمان يوقظ فيك هذا الحدب الجماعي لكل الناس هناك على إيقاظ عمان من نومها مع إطلالة كل فجر ، وهم يدركون ، وبعمق عجيب ، أنهم الوقود الحقيقي لبث الحياة في كل أرجاء عمان. الناس الذين يؤمون المساجد مع كل إطلالة فجر ، متسلحين بالوضوء ، وبالرضا والابتهال كي تظل الحياة بخير ، وهم الناس ذاتهم الذين يذهبون إلى فتح محالهم التجارية ودكاكينهم البسيطة ، وبسطات بضائعهم الساذجة ، وتلويحة السلام الصباحية بتلك الأيدي المسالمة.
حينما يهبط بك الباص الى ساحة رغدان وترى هذا الاصطفاف المواظب لباصات المؤسسة ، وذاك السائق الذي انتزع مرارته ، كي يقوى على تحمل رتابة الصباحيات ، وتنوع الركاب. وترى تلك الطوابير الشبابية الذاهبة كي توقظ عمان بالدراسة الجامعية ، وبالذهاب إلى المصنع أو الشركة أو إلى ذلك المكتب النائي في تلك الإطراف الأنيقة من جهات عمان ، تود لو تصافح كل هؤلاء ، وتبارك لهم هذه الهمّة الرائعة في إيقاظ عمان من نومها.
يفرحك هذا الشاب الذي ينفخ صدره كديك حقيقي وهو يستعد لإنهاض عمان ، مثلما تسعدك تلك الصبية التي تحتاج إلى مواصلتين أو ثلاث كي تصل إلى مقر عملها ، وتفرح لرجال هرمين مازالوا وبرغم شيخوختهم على رأس عملهم ، تفرح لتجاعيد وتغضن وجوههم ، وهم يصرون على الاستمرار في البحث عن لقمة العيش ، برغم ارتعاشة الأرجل.
هو شرق عمان كعادته وحينما يباغتك في كل إطلالة صباحية ، تشعر بفرحة توقظ سلالتك العائلية ، وشقاء الآباء والأمهات ، وبساطة تلك الصباحات التي كانت الجدة الحارسة المزمنة لحوش الدار ، تباركه بالدعاءات والابتهالات ، وطلب حسن الختام.
هو شرق عمان الذي يقودك في صباحات متباعدة ، ويجذبك إليه حد المغنطة ، كي تمتلك كل هذه البهجة في تذكر تفاصيل صغيرة لا تخلو من الدهشة والحنو.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور