في كل عاصمة عربية هناك إرث خاص بتشكيل الأسواق ، بمعنى أن لكل حرفة تجمعها المهني الذي تدلك عليه. وقد كانت الحضارة العربية الإسلامية في كل حواضرها الساطعة بالمدنية والتحضر فعلها الاستباقي في بناء الأسواق الخاصة بالمهن ، فتجد في بغداد وحتى أيامنا هذه أسواقاً خاصة بالعطارين وبالوراقين وبالنحاسين.وفي مدننا الأردنية كنّا نلحظ تشكل مثل هذه الأسواق فنجد السوق الذي يختص ببيع الحبوب والدقيق بكافة أنواعها ، وأسواق "البخارية" ، وأسواق بيع الأقمشة ، والشوارع الخاصة بالحلاقين ، وسوق السكر الذي يتوسط مدينة عمان الأم.

وأنا ما زلت أذكر سوق الحب في اربد الذي كان يختص ببيع حب القمح وحب الشعير وباقي حبوب البقوليات ، لا بل مازلت أذكر سوق الرمان الموسمي ، الذي كان يتشكل في موسم الرمان بتلك الأهرامات الرمانية الجميلة.

لكن الذي يدعو إلى الضحك والسخرية فعلاً هو ما أنتجته حضارتنا المزورة من أسواق مزورة ، مثل سوق "الحرامية" الذي يتجمع مجاوراً للجورة عند سقف السيل حيث تتجمع السلع المتناقضة ، وبأسعار تبدو فيها وكأن السلع وصلت إلى هنا نتيجة سرقة ، ولكنها على الأغلب وصلت نتيجة فاقة ، أو نتيجة لشراء الأدوات المستعملة التي يشتريها التاجر الذي يجوب شوارع العاصمة بسيارته ، وهو يستنهض السكان ليشتري منهم كل الأشياء البيتية المستعملة ، من خلال سماعته الصوتية بحبالها الصوتية التي جرحتها البطارية الضعيفة.

ومن تقوده خطواته يوم الجمعة تحديداً إلى وسط البلد ، ويصل إلى منطقة "العبدلي" ستأخذه الدهشة وهو يرى كل هذا الازدحام ، على سوق جديد هو "بالة العبدلي" ، والذي حين تدخله ، حتى تسأل نفسك وسط الجموع المحتشدة ، عن سر هذه الرغبة في اقتناء أو شراء الملابس المستعملة ؟

وحين تترك منطقة العبدلي وتصل إلى المنطقة المحيطة بالمسجد الحسيني ، سوف ترى الشوارع مكتظة بالملابس المستعملة بكافة أنواعها ، وبكافة الماركات العالمية.

والغريب أن أسواق الملابس المستعملة هي ما يمكن تسميتها بالأسواق الطائرة التي تختفي معظمها يوم السبت.

والغريب ان علاقتنا بأسواق الملابس المستعملة تغلغلت في وجداننا إلى درجة إطلاق الأمثال الشعبية التي يقولون في بعضها"من لا بالة له لا عيد له". لا بل أن هناك حوارات يتباهى فيها المتحاورون خلالها حول شطارتهم في اختيار أعقد الماركات العالمية بثمن زهيد. وأن بعض العائلات الميسورة جداً تتعامل مع بعض محال البالة بطريقة سرية جداً وشراء بعض الملابس بأسعار مرتفعة نسبياً.

بقي هنا أن أتذكر أحد أصدقائي الشعراء الذي يرفض أن يشتري أي شيء من البالة وحين سألته عن السبب قال :"كيف تريدني يا صديقي أن البس قميصا تظل رائحة روح جسد صاحبه فيه؟

وكانت إجابة صديقي تشبه الصفعة تماماً.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور