بعض الأجهزة التكنولوجية وبحكم استعمالنا المتسارع لها ، دخلت في الأشكال التعبيرية للعديد من مسلكياتنا الاجتماعية المتخلفة ، فالتعامل مع جهاز الهاتف الأرضي أو الجوال بدأ يأخذ بعض الطبائع اجتماعية ومفارقات تستحق فعلاً التوقف عندها.
فبعض الناس ما زال يقيم في منطقة الشفاهية وهو يسير في الشارع ويتحدث هاتفياً وهو يزبد ويتوعد ويشتم الشخص الآخر الذي يهاتفه. وقبل فترة وحينما كنت خارجاً من بيتي رأيت رجلاً يمسك بجهازه الجوال ، ويرسم بسبابته وإبهامه رقم خمسة كدلالة على التوعد ، وهو يشتم محدثه ، فما كان مني إلا أن أوقفته ، وسألته قائلاً: هذه الحركة اليدوية التي تطلقها في الهواء هل يراها من تحدثه الآن ، فرد بسرعة "لا" ، فقلت له "إذن لمن توجه هذه الحركات التوعدية" ، فما كان من الرجل إلا أن نظر اليّ وابتسم ابتسامة ساخرة.
وبعض الأصدقاء أو الصديقات الذين كنت تراهم يومياً حد الضجر من المشاهدة ، صاروا وعندما يهاتفونك فانه يحلو لهم أن يطلبوك عن طريق السكرتيرة التي تعمل معهم ، وذلك كنوع من تكريس البرستيج في المعاملة ، ووضع السواتر الاجتماعية.
وإنما ما زلت أذكر أحد أصدقائي حينما طلبته سكرتيرة صديقه المسؤول كي يحدثه ، فما كان منه أن قال لها" أنا فلان..ومن أراد أن يحدثني فلا يطلبني عن طريق السكرتارية بل يطلبني بشكل مباشر" وأغلق سماعة الهاتف بنزق واضح.
وبعض الأصدقاء الذين تفقدهم في لحظة شوق مباغتة ، وتنتابك رغبة بريئة لسماع صوتهم والتعرف إلى أحوالهم ، وتتصل بهم ويبدأ الواحد منهم بالرد عليك ، تتحول مهاتفته إلى عقاب لك ، حيث يصاب صوته بكسل متعمد يقودك إلى التقزز ، ويحولك إلى صاحب حاجة ، فتصير تسل منه الكلام استلالاً ، وتفكر ربما يفعل هذا كي يُري زوجته كم هو صاحب مكانة بين أصدقائه ، وحينما تبدأ بالشعور بالندم على مغامرتك في هذه المهاتفة ، تتذكر هذا الشخص تحديداً حينما يبدأ هو بمهاتفتك كيف تتحول بحة صوته إلى عافية كاملة وحماس كاملين ، وهو يسوق المقدمات والأفكار البعيدة إلى أن يصل إلى مبتغاه الهاتفي القائم على حاجته لك.
والبعض يُجيز لنفسه حين تهاتفه ، أن يتبرع لك بأغنية سمجة ، عليك أن تسمعها بالكامل قبل أن يتواضع ويرد عليك.
والبعض يذهب إلى دور العزاء ويجلس بكامل وقاره وسط جموع المعزين ، لكن على حين غرّة تسمع هاتفه يرن بصوت هيفاء وهبي المغناج عن "شوف الواوه" ، فيربك طقس العزاء بأكمله.
مفارقات كثيرة تصنعها الثقافة الهاتفية. مفارقات تجعلك تحمد الله أن هذه الأمة تفعل كل هذه المفارقات وهي لم تخترع جهاز الهاتف.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور