كـأنـك لا تـدري:
ليس من عصر كثرت فيه التجارب كعصرنا هذا وكأن الإنسان قد أصيب بهوس التجارب وعدواها في كل ما يمت إلى حياته بصلة. وقد تكون هذه التجارب مجرد واجهه أو مدخل شرعي لممارسة كافة الرغبات والأهواء على اختلاف أنواعها وشذوذها حتى تتحول تلك التجارب أخيرا إلى عادة مستحكمة ظالمة تقود الإنسان حسب هواها ورغباتها. وأكثر ما ينطبق ذلك على عادة التدخين التي تحكمت بعقول الناس على اختلاف مللهم وعلمهم ومشاربهم.
عادة التدخين آفة حضارية كريهة أنزلت بالإنسان العلل والأمراض كتأثيرها السيئ على الغدد الليمفاوية والنخامية والمراكز العصبية وتأثيرها الضار على القلب وضغط الدم والمجاري التنفسية والمعدة والعضلات والعين الخ ...
إنها تجارة العالم الرابحة ولكنه ربح حرام قائم على إتلاف الحياة وتدمير الإنسان عقلا وقلبا وإرادة وروحا. والغريب أن الإنسان يقبل على شراء هذه السموم الفتاكة بلهفة وشوق لما تحدثه في كيانهم من تفاعل غريب تجعله يلح في طلبها إلى أن تقضي عليه.
لا شك أن إغراءات الأصدقاء الواقعين تحت تأثير هذه العادة هي التي تعمل على إدخال البسطاء إلى عالمها الزائف الخادع حيث لا يتمكن أي منهم من التخلص منها إلا بعد شق النفس هذا إذا قدر له الخروج. وكأن الإنسان يظن انه يجد في هذه السموم ملاذا من همومه الكثيرة يهرب إليها في الشدائد والملمات. وهو لا يدري أن من يهرب إلى سم التبغ هو كمن يستجير من الرمضاء بالنار، لأنه بذلك يستنزف قواه ويقضي على البقية الباقية من عافيته.
كأنك أيها الإنسان لا تعلم انك بذلك تسير إلى طريق التهلكة والخراب وأن السعادة لا تكون في الركض وراء أوهام خادعة، إنها لا تكون بتغييب العقل وحجبه عن أن يكون قوة فاعلة يهديك سواء السبيل، إن السعادة هي في تحاشي الأخطار ومجابهة التحديات وتنبيه القوى الخيرة في الإنسان. إنها في الإرادة الصلبة والتنزه عن المطالب الخسيسة والانتصار على الضعف والوهم، إنها في الحفاظ على الصحة وعلى القوة العقلية والبدنية لإبقائها صالحة لمواجهة الملمات عوضا عن هدرها سدا وتبديدها فيما لا طائل ورائه.
إن العاقل يسهر على إصلاح نفسه وليس من يتبع سبيل الخطأ بحجة أن الأكثرية تسير في هذا الاتجاه. والجاهل هو من لا يملك التفكير الصائب للحكم على الأمور فتهون عليه نفسه وصحته. إن من يبيح لنفسه إتلافها بكل وسيلة رخيصة لمجرد أن فيها لذة مزعومة هو إنسان فقد مقومات الإنسانية، انه إنسان يستحق الرثاء.
بعد أن ازداد خطر عادة التدخين لا سيما في صفوف الشباب والمراهقين وطلاب المدارس والجامعات واستفحال خطره على الصحة فقد خصصت هذه الصفحة عن كل ذلك مظهرين بالحقائق والأرقام - لا بالعواطف والانفعالات - الخطر الكامن وراءه ووجوب محاربته على كل مستوى عن طريق التوعية الصحية والحذر من جعل الصحة مطية للشهوات وأداة للمقامرة. فالصحة هي الرصيد الحقيقي لكل دولة يحق لها أن تفتخر بنفسها وبمنجزاتها.
نبذة عن تاريخ التدخين:
في أوائل القرن السادس عشر ادخل مكتشفوا أمريكا عادة التدخين إلى الحضارة الأوروبية، ومصطلح نيكوتين الذي يتداوله الناس عند التحدث عن التدخين أخذ من اسم جون نيكوت سفير فرنسا في لشبونة والذي دافع عن التبغ وكان يؤكد أن للتدخين فوائد مثل إعادة الوعي وعلاج الكثير من الأمراض.
وحتى منذ هذه البداية لم يترك الموضوع دون مقاومة فقد قام كثيرون بمعارضته وخصوصا (جيمس الأول) في كتابه "مقاومة التبغ" حيث اعتبر التدخين وسيلة هدامة للصحة. أما السيجارة التي يعرفها الناس بشكلها الحالي فقد ظهرت في البرازيل عام 1870م.
من الغريب أن أول إحصائية عن التدخين في الولايات المتحدة الأمريكية ظهرت في عام 1880 وكان تعداد السكان خمسين مليون فقط ثبت أنهم يدخنون 1,3 بليون سيجارة سنويا وحينما ارتفع عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية إلى 204 مليون ارتفع عدد السجائر المدخنة إلى 536 بليون سيجارة سنويا.
من هذا يتضح أن السكان زادوا بنسبة 300% أي أن زيادة السجائر أكثر من زيادة السكان 133 مرة.
التدخين والمخدرات ودور التثقيف الصحي لاجتناب آثارهما:
هناك ثلاثة ملايين شخص يموتون سنوياً بسبب التدخين، وربما يكون القلب، والرئة، والحنجرة، من الأمراض الأساسية.. أو سرطانات هذه المناطق، من السرطانات الأساسية التي ربما يتسبب فيها التدخين.. يعني التدخين الآن صار شيء من الإدمان
إنها أمراض أنماط الحياة.، التدخين الآن هو السبب الأول، هو القاتل الأول بالنسبة لهذه الأمراض جميعاً، هو الذي يجلبها جميعاً، قبل ثلاثين سنة أو أكثر بقليل لم يكن الناس يعلمون مضار التدخين بشكل يقيني | ومن أجل ذلك كان هنالك كثير من التساهل في موضوع التدخين، وكان الناس حينما يستفتون علماء الدين لا يقولون لهم أي حرج فيه، من حيث أنه لم يكن له حكم فيما سبق، ومن حيث أن ضرره لم يثبت، الآن نعرف علم اليقين أن التدخين يسبب مالا يقل عن خمسة وعشرين مرضاً في مقدمتها مرض القلب... والسرطانات المختلفة، والتدخين –في الحقيقة- مخيف جداً، من حيث نتائجه، ترسب هذه المواد في بطائن الأوعية القلبية الشريان التاجي، والشرايين الأخرى، شرايين المخ، الشرايين الدقيقة في كل مكان...
سرطان المثانة:
كل هذه الأمراض يسببها التدخين أو يُسرعها التدخين، فضلاً عن أن التدخين في الأصل، وهذا أمر قد يستغربه بعض الناس يقول: المدخن لماذا يصاب بسرطان في المثانة مثلاً، المفروض أن يصاب بسرطان في الفم، في اللسان، في الحنجرة، في الرئة؟ أما لماذا يصاب بسرطان في المثانة، وسرطانات المثانة كثيرة الانتشار، في من يدخنون.. والسبب أن أوراق التبغ في الطبيعة، تتهاطل عليها بعض المواد المشعة وبصورة خاصة البولينيوم المشع، فهذه المادة المشعة لا تخرج من الأوراق إلا بالحرارة العالية، حرارة التدخين هي حرارة عالية مرتفعة جداً تطرد هذه المواد المشعة، وتجعلها تدور في الدورة الدموية، وتصل إلى مختلف أعضاء الجسم.
المواد المشعة:
هذا أمر لا يدركه الكثير من الناس وهو -في حقيقة الأمر- سبب مهم جداً، لأن المواد المشعة عامل مهم من عوامل الإصابة بالسرطانات، إذن التدخين هو سبب أساسي لأمراض الأوعية على اختلافها، أمراض الأوعية القلبية، الأوعية الدماغية، والأوعية الأخرى المختلفة، في الكُلية، في الأطراف إلى آخره، في العين، وبالإضافة إلى ذلك هو السبب في كثير من السرطانات التي يصاب بها الإنسان..
مائة سيجارة في اليوم:
كثيرون يقولون أن ربما يكون التدخين العالي، أو الذي يدخن مائة سيجارة في اليوم أو غيره، لكن إنسان يدخن سيجارتين أو ثلاث سجاير، كالذي يدخن مائة، والشيشة أقل ضرراً بالنسبة للتدخين من السجائر.
التدخين القسري:
الحقيقة أنه -مع الأسف- لا يكاد.. يجد المرء إنساناً غير مدخن في وقت عصرنا الحاضر، لأن الذي لا يدخن تدخيناً فاعًلا، يدخن تدخيناً قسرياً، التدخين السلبي ممن حوله، هؤلاء يفرضون عليه التدخين، فكلاً منا -في حقيقة الأمر- مدخن، لكن تختلف الدرجة، والتدخين القسري أو السلبي كما قلت، ليس أقل شراً من التدخين الإيجابي، كلاهما مضر..
كلنا معرضين:
كثيرون يتعرضون الآن لتدخين ومن أجل ذلك، فهذا حق من حقوق الإنسان يجب أن ندافع عنه، غير المدخنين يجب أن يدافعوا عن هذا الحق بأسنانهم، يجب أن يدافعوا عنه بكل ما أتُوا من قوة، ويجب أن يعترضوا على أولئك الذين يعرضونهم إلى هذه المخاطر.
لأن الإنسان لو كان تحرك ضد المدخن في هذه المجتمعات، يستطيع أن يحفظ حقه وحق الآخرين، طالما -الآن- نحن كلنا معرضون -مدخنون وغير مدخنون- للإصابة بهذه الأمراض الخطيرة.
الجنين:
حتى الجنين في بطن أمه معرض للإصابة، الطفل الذي يضمه والده ضمة حنان وهو يضع السيجارة في فمه، هذا يُعرض طفله إلى مرض خطير، وهو لا يشعر، فمن أجل ذلك ينبغي أن نركز على موضوع التدخين تركيزاً كاملاً..
إذن القضية الآن قضية مجتمع. حتى، قضية التدخين ليست قضية المدخن وحده، وإنما المجتمعات والحكومات يجب أن تتحرك في هذا الأمر، وفي منظمة الصحة العالمية يضعون الإيدز وأمراض التدخين من أولويات اهتمامهم بالدرجة الأولى.
خسائر اقتصادية:
صحيح -مع الأسف- التدخين لا يعامل بما يستحق من جدية، كثير من الدول تظن أن واردات التدخين يعني الضرائب على السجائر، أو صناعة التدخين أو زراعة التبغ، هذه كلها تدر عليها موارد ضخمة-في حقيقة الأمر-التقرير الذي أصدره البنك الدولي مؤخراً يدل على أن التدخين أيضاً خاسر اقتصادياً |
بالنسبة للدول.. الشركات هي التي تربح.
بالنسبة للدول لأن.. لأن ما تنفقه الدول على تعطل الناس عن العمل، من جراء الأمراض الناجمة عن التدخين، وعلى معالجة هذه الأمراض، يفوق بكثير الدخل الذي يمكن أن يدخل من جراء بيع هذه المشتقات أو الضرائب عليها ومن أجل ذلك فهو خاسر اقتصادياً.
فضلاً عن أنه خاسر صحياً، فلا مبرر إطلاقاً لأن نرى بعض الشركات التي.. هي شركات حكومية -مع الأسف- تنفق في الدعاية، نلاحظ في الصحف.. صفحات كبيرة عن شركة من الشركات الوطنية، التي تنتج السجائر وما شابه، أو شركة من هذه الشركات تحاول أن تقوم مع الدولة بحملة بمنع التدخين بمن هم دون الثامنة عشر من العمر..
الحكم الشرعي في التدخين:
بل هناك فتوى -للأسف- ظهرت مؤخراً أن التدخين جائز للأغنياء، وللفقراء حرام |
نعم، هذه فتوى، فتوى غريبة، الحقيقة أن التدخين -كما في نشرة من نشرات منظمة الصحة العالمية عن الحكم الشرعي في التدخين -طلبنا رأي عدد من أجلَّة علماء المسلمين، عدداً كبيراً منهم في موضوع التدخين، وكان الرأي متفقاً على حرمة التدخين، من أجل أن الله سبحانه وتعالى يقول: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) . ويقول (وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول "لا ضرر ولا ضرار "يعني لا يجوز أن يضر الإنسان بنفسه ولا أن يضر بغيره، فهذا جعلهم، يجمعون على حرمة التدخين. فمع هذا الحكم -مع الأسف- نجد أن هنالك من يتردد في تحريم التدخين.
مقارنة التدخين حتى بالخمر، ربنا يقول: عن الخمر (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أما التدخين فهو ضرر محض، ليس هنالك منافع على الإطلاق، فهو أشد حرمة.. أشد حرمة.. إلا ما تستفيد منه شركات التدخين.
يعني وسائل الوقاية من أمراض القلب بإعتبارها من الأمراض الشائعة، حتى بين الشباب الآن. وغيرها من الأمراض التي هي –قلت- أنها أمراض أنماط الحياة، تعتمد بالدرجة الأولى، على منع التدخين أوًلا، هذا شيء يجب أن نتفق عليه أولاً وقبل كل شيء وعلى الحد من الأغذية التي يمكن أن تزيد في ترسب هذه المواد في داخل الشرايين..
المراجع
www.dahsha.com/old/viewarticle.php?id=2488الموسوعة الدهشة
التصانيف
الحياة
login |