الذي لم يتم عليه العمل عربياً هو أن الإعلان عن عدم المعرفة بالشيء ، هو الخطوة الأولى للبدء بالتعلم والمعرفة ، وأن الإقبال الدوغمائي في التعامل مع كافة المقترحات الحياتية ، دون معرفتنا بالعواقب التخريبية ، هو سر خرابنا الحياتي في كل المجالات.
وعلى الصعيد الشخصي فقد لقنتني ابنة أحد الأصدقاء ذات اربع السنوات( والدتها ايرلندية) درساً في هذا المجال ، حين جلست أمامي وأعطتني ورقة وقلما كي أرسم لها أي شيء ، فرسمت لها قطة ، وحينما انتهيت من رسم القطة قلت لها "هل تستطيعين رسم قطة مثلها" اتخذت ملامح الطفلة جديّة طارئة وقالت لي بلغة واعية تماماً: "دعني أفكر" ، ثم مرت بعد ذلك فترة بسيطة وهي تحدق في اللوحة التي رسمتها ، وفي ملامحي ، ومن ثم قالت بحزم "لا أستطيع".
الدرس الذي لقنتني إياه الصغيرة ذات التربية الغربية ، قد يبدو عابراً وبسيطاً ، لكنه كان في منتهى العمق ، ذلك أن من يريد أن يقوم بأي مهارة حياتية عليه أن يفكر في إتقانها ، وهذا يعني ببساطة وقبل أن يغامر بالمقامرة بجهله ، في التعامل مع أي انجاز ، عليه أن يعود إلى إمكانياته الذاتية ليتأكد من مستوى المهارة عنده. أن هذه المراجعة مع الذات وتقييم المهارة بشكل مسبق هي مفتاح التحضر الأول.
وأُس المشكلة الحضارية العربية هو أن ما من أحد يعترف أنه ليس بحجم هذه المهارة أو تلك ، بل الجميع وحينما يطرح عليهم أي شيء ينبرون بالادعاء بمعرفتهم الكاملة بأي شيء يعرض عليهم.
فأنت حينما تراقب كل هذا الكم الهائل ممن يتحكمون بمصائر الناس وعلى اختلاف مواقعهم ، وتراقب الاداء الذي يقدمونه تكتشف أن كثيرين يفتقرون في الأساس لمهارات الموقع الذي يشغلونه ، حتى تستطيع أن تكتشف الجانب الأُمي الذي يتسترون عليه في قضايا معرفية عديدة.
والأمر ذاته ينطبق على مواقع هامة استطاعت أن تغير مجرى التاريخ في بعض المفاصل الاجتماعية السياسية المعقدة ، بسبب افتقاد هؤلاء لمهارات القيادة الحقة.
وعدم المهارة ينطبق أيضاً على بعض القيادات الحزبية التي تقاد بالبلطجة وعلو الصوت أو حتى بالوراثة والتطويب الثوري.
أما في المجالات الثقافية والفنية فحدث ولا حرج ، حيث يمكن لبعض المثقفين والفنانين أن يصلوا إلى أعلى المناصب الحضارية في هذا المجال ، بناء على مهارات خاصة في العلاقات العامة ، التي هي أبعد ما تكون عن المهارة المهنية الصرفة.
والغريب أن الدرس الذي لقنتني إياه تلك الطفلة الصغيرة ، كانت حضارتنا العربية قد لقنتنا إياه قبل قرون عدة حين قالت بملء الصوت "رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه".
لكن ما من أحدج يقرأ أو يسمع وتلكم هي الكارثة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور