كنّا جميعاً بانتظار المأذون لعقد قران أحد أبناء حارتنا ، وحينما أطل المأذون من بوابة البيت دهش أحد الحضور ونهض من مقعده مستنكراً ، وتقدم من المأذون وسأله:"هل أنت المأذون؟" فرد المأذون "نعم ، يا سيدي أنا المأذون" فعاود الرجل استنفاره قائلاً" ولكنك ساعاتي تصلح الساعات ، فكيف أصبحت مأذوناً؟" ، فما كان من المأذون إلا أن غمغم قليلاً ، وأخرج دفتره وبدأ بإجراءات عقد القران ، متجاوزاً مثل هذا الاستنكار.

أما الرجل الذي استنكر ، فقد تنهد تنهيدة طويلة وقال بصوت لا يخلو من الحكمة :"الدنيا يا إخوان مكان واسع ، تستطيع فيه أن تكون أي شيء ، بمجرد أن تقرر أنت ذلك".

كان تاريخ هذه الحادثة في منتصف الثمانينيات ، ولم أكن أدري ، أن نبوءة حادثة المأذون والرجل الذي استكثر عليه الحصول على مهنتين متناقضتين في آن واحد ، قد تتحول إلى ما يشبه الديدن لحركة اجتماعية كاملة ، مع فارق بسيط هو الاستسهال في تقمص أي مهنة وتسويقها وبغض النظر عن جودة المُنتج ، أو جودة الاداء. وأن هذا الاستسهال لن ينحصر في السنوات اللاحقة بمهن بسيطة ومحايدة ولا تؤذي الذوق العام ، بل سيذهب الاستسهال في تقمص المهن إلى مجالات أوسع ، مجلات لها إيقاعها الخاص والمؤثر في تشكيل ذهنية الأجيال القادمة.

ففي مجال الكتابة الأدبية صار بإمكان أي واحد لديه ملكة الثرثرة والإسهاب اللغوي أن يبدأ بكتابة قصة قصيرة أو رواية أو حتى قصيدة ، ويبدأ بتثوير طاقاته في العلاقات مع الجهات المعنية من دور نشر ، وجهات ثقافية معنية ، ومن ثم يعمل على ترسيخ اسمه في هذه المحافل ويبدأ بتقديم نفسه على هذا الأساس. ولا مانع لديه ان كان ميسوراً أن يهدر الأموال في سبيل تحقيق هذا الهدف.

وفي مجال السينما والفن السينمائي عموماً ، صار بإمكان أي شاب أو شابة ان يصبحا من نجوم الشباك بعد تدريبات بسيطة على الوقوف أمام الكاميرا ، ونشهد هذه الأيام ظهور العديد من النجوم الجدد الذين اكتسحوا الساحة السينمائية العربية بحضورهم وأصبحوا من نجوم الشباك بهذه الطريقة.

أما في مجال الغناء فحدث ولا حرج عن تلك الفتاة الجميلة التي كانت في الأصل فتاة إعلانات ، وتحولت بمهارة مخرج الفيديو كليب إلى مغنية تحصد الآلاف المؤلفة من الدولارات مقابل أنها تقف خلف المايكروفون وتطلق تنهداتها وغنجها الذي هو أبعد ما يكون عن الغناء وفنه الأصيل.

والغريب أن مجموعة الاستسهال في الحضور والتشكل في أي حالة مهما كانت صعوبتها استطاعوا وفي زمن قصير نسبياً أن يتحولوا إلى ظواهر راسخة في مجتمعاتنا.

ولهذا أمام هذا التغول في الاستسهال أظل أتذكر ذاك المأذون ، وذاك الرجل الذي أطلق حكمته التي ما زالت يضج صوتها في أذني.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور