حادثة سرقة تعرضت لها الفنانة المصرية الشابة منة فضالي مؤخراً ، وتفاصيل حيثياتها أن ثلاثة لصوص سرقوا منها "تحويشة العمر" ، حيث قام هؤلاء اللصوص بسرقة خمسين ألف جنيه ، بالاضافة الى حقيبة بها مجوهرات تبلغ قيمتها نصف مليون جنيه ، فضلاً عن سرقتهم لنظارة وساعة ذهبيتين.

ما أدهشني في الخبر هو وجود كل هذه الأموال في السيارة التي تقودها الفنانة ، أما الذي زاد دهشتي فعلاً هو مصطلح "تحويشة العمر" ، في زمن صار عمر الواحد منّا يحوّش السكري والضغط وباقي متواليات الامراض العصرية الرائجة. وأن أفراد بكامل قيافتهم الطبقية قد عاشوا وأفنوا شبابهم في الجد والعمل وغابوا في قبورهم دون أن تكون لهم أي تحويشة للعمر اللهم سوى تحويشة "حُسن الختام".

وفي ذاكرتي الطبقية أن تحويشة العمر التي كانت تخص سلالتنا العائلية ، كانت تسمى ب"قرشين الولد" ، ويا الهي كم كنت أشعر بالغرابة وأنا أسمع كبار العائلة وهم يتهامسون على "قرشين الولد" ، وقد كان خيالي الطفولي يجعلني أشعر بالتفكه تجاه هذا المصطلح ذلك أن المبلغ الذي يسمى بقرشين لا يستحق كل هذا الهمس.

لكني وحينما كبرت قليلاً ، بدأت أفهم أن الولد الذي صار يعمل ويحصل على راتبه بكد العرق والجبين ، كان بنكه الذي يوفر عنده النقود ، هو أحد حكماء العائلة من أب هرم ، أو جد أو جدة ، يتسم بالوقار والأمان وعدم التصرف بأي قرش من المبلغ. وكانت هناك طرق جهنمية لاخفاء قرشين الولد ، فهما يمكن أن يكونا في لحاف ، أو في حجاب قماشي تضعه الجدة في عنقها ، أو ربما تحت مصطبة البيت.

وعلى الأغلب كانت فكرة "قرشين الولد" ترصد لبناء غرفة إضافية في البيت ، أو لعقد قران مبكر للولد من أجل تغطية تكاليف العرس ، أو لحالة عوز أكيدة.

لكن مع اختفاء ظاهرة "قرشين الولد" ، دخلت تحويشة العمر في سراديب اقتصادية جديدة ، تمثلت في تعدد الأرصدة في أكثر من بنك ، خوفاً من أن تضيع تحويشة العمر في انكسار مباغت لبنك ، وتمثلت في الاتجار بالعقارات والأراضي حيث الأرض ثابتة ولا تموت ، وتمثلت أيضاً في البورصة ، التي قضمت مؤخراً بعض أموال الناس ، وخلفت جلطات كثيرة في جغرافيا الوطن العربي.

بقي أن أقول أن الفنانة منة فضالي لم تمر بثقافة تحويشة العمر ، وإلا كيف يمكن أن تضع مثل هذه الثروة في سيارتها؟،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور