إنهم موتى المدفأة الذين يتكرر خبر وفاتهم في الصحف عند كل شتاء ، وهم بالمناسبة ليسوا من موتى تلك المدافىء ، الذين لديهم تدفئة مركزية تبثها الأنابيب المحكمة والمتصلة في كل أرجاء البيت ، بحيث يستطيعون تحويل مناخ البيت إلى مناخ صيفي بامتياز ، لينعموا بحركة طلقة داخل البيت ، دون إطلاق شهقة "الوحوحة" ، وهم أيضا ليسوا من موتى التدفئة الممتدة تحت بلاط البيت التي تجعلهم يتحركون في مناخ صيفي لا يشبه صرير تلك البرودة التي يطلقها الشتاء خارج البيت وفي حديقته.

إنهم موتى تلك المدفأة التي اشتراها رب العائلة بالتقسيط الممل واستلها من كرتونها الكبير ، وسط فرحة الأبناء وبهجة أم الأولاد ، فجلسوا حولها عند أول إشعال لها وسط فرحة التخلص من قرصة البرد ، فأحاطوا بها بنوع من الحنو الذي يشبه حنو تلاصق حبات المسبحة.

إنهم موتى المدفأة حيث الأب العائد من نهار أكله فيه برد الشوارع والأسواق. وهو برد الأبناء الذين عادوا من مدارسهم التي تأكل جدرانها تلك البرودة المدرسية الخاصة والمميزة ، حيث لطعم التعلم طعم تجريح الروح.

إنهم موتى المدفأة الذين عادوا من نهاراتهم الشقية ، وطالبوا أمهم بإلحاح صبياني الإسراع في إشعال المدفأة ، والالتفاف حولها ، وتناول ذاك الطعام البسيط الذي يسد رمق الروح. والبدء في الاسترخاء التدريجي وسط نعمة الدفء التي توزعها المدفأة في جنبات الغرفة.

إنهم موتى المدفأة الذين وحينما يزدادون التفافاً حول المدفأة يبدأ كل واحد منهم بالذهاب في ذاك النعاس الذي يأخذهم نحو مطارح جديدة في النعاس والنوم لم يألفوها من قبل. وتبدأ أطرافهم بالاسترخاء حد عدم القدرة على الحركة.

إنهم يتنشقون موتهم الذي تبعثه غازات المدفأة ، فيذهبون في ما يسمى طبياً بالموت اللذيذ ، بينما هو في الأصل يدعى بالموت اختناقاً.

في كل شتاء أردني تتكرر حادثة موتى المدفأة ، وتعزى عادة إلى سوء استعمال المدفأة ، أو الى عدم ترك شق النافذة مفتوحاً كي يُهرّب بعض هذه الغازات القاتلة.

وفي النهاية تصدر الإحصائية التي تقول أن عدد إصابات حوادث الاختناق بسبب المدافىء منذ بداية العام الحالي بلغ 364 حالة نتج عنها 15 حادث وفاة.

بقي أن أقول أن كل التوصيات والتحذيرات التي تعقب مثل هذا النوع من الموت تبدو فكاهية ، بجانب تكرار حادثة الموت التي تتكرر في كل عام ، والتي تحدث بسبب البحث الفاحش لعائلة شقية عن الدفء إلى درجة ذهابها باتجاه منطقة الموت الجميل،،.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور