قلة من الكتاب كلفوا أنفسهم عناء صعود درج الكتابة ، هذا الدرج الذي يقود الروح ، إلى تلك اللدغة الموجعة التي تكهرب الروح حد الجنون أو الموت. وقلة من الكتاب هجروا هذا الطنين الاجتماعي الرتيب ، وصعدوا درج الكتابة للإقامة في تلك المناطق التي تُرعش الاطراف ، من هول توالي الرؤى ، وقلة من الكتاب احتملوا مشهد صعود درج الكتابة ، وارتجاج الدماغ بالمفارقات التي ترينا إياها كل درجة نصعدها.
إن درج الكتابة حين يقدم تذكرة الصعود إليه ، فانه يشترط على الصاعد أن يخلي كل الحماقات الاجتماعية جانباً ، وأن يخلي كل المثابرات الواجبة التي يقترحها النظام الاجتماعي جانباً ، وأن يُقبل على الصعود بشفافية نادرة ونقية ، قد تكلفه في بعض الأحيان روحه ورأسه.
وإذا عدنا لكل النجباء فنياً وكتابياً ، سنتأكد أنهم حفروا درجهم بأصابعهم اللحمية ، وغامروا في الصعود درجة درجة ، حتى قتلهم روعة المشهد.
إن الصعود إلى درج الكتابة يشبه إلى حد ما تلك الدرجات الصوفية والنورانية التي صنفها فلاسفة الصوفية في التقرب إلى الله ، وهي أيضاً تشبه الرحلة الروحية الموجعة التي يذهب فيها الراهب البوذي كي يصل إلى مرحلة النيرفانا ، حيث السلام الدائم والأبدي مع الروح.
ان شاعراً مثل الشاعر الروسي بوشكين كان يعي أن مبارزته خاسرة ، لا بل قاده درجه الإبداعي الى كتابة قصيدة يصف فيها حرفياً مشهد موته في المبارزة.
ولعل روائياً مثل دستوفيسكي كان يقبل على القمار ويخسر ، ويذهب لدور النشر كي يلعب القمار ويخسر ، حتى أصيب بنوبات الصرع ، بسبب إلحاحية المشاهد التي كان يراها وهو يصعد درج الكتابة.
وفي مقام الدرج الصاعد ، نتذكر الشاعر الروسي يسينن ، الذي صاح متحسراً ذات مرة "أنا آخر الشعراء القرويين" ، وقد قال هذا لحظة إحساسه بأن درجه القروي الخاص بكتابته قد نهبته المدنية الحديثة ، بالكونكريت والاسمنت المسلح ، ولهذا كان عليه أن يكتب رسالة وداعية ويشنق نفسه بربطة عنقه.
ومن يرى الدرج الكتابي الذي كان يصعد فوقه القاص الأمريكي أدغار ألن بو ، لا بد أن يدرك حجم المعاناة التي كانت تهاجم بو بمشاهدها المؤذية ، وكيف كان كلما صعد درجة في الكتابة ، أحس أن النص الإبداعي قد قام بمعالجته ، وإلا كيف نصدق بطل "القط الأسود" ، الذي كان يكنّ العداء لذلك القط إلى درجة قتله ، وخلط جثته في اسمنت الجدار ، أو كيف يمكن تصديق ذاك المشهد الذي دعي فيه بو إلى الجلوس على مقعد على جانب الشارع ، بجوار كنيسة كي يسلم الروح.
ومن يرى الدرج الكتابي الداهش الذي صعده الشاعر الفرنسي رامبو ، ويزلزل الكتابة الشعرية العالمية ، وهو لم يصل سن الثامنة عشرة ، ويغادر باريس كي يتحول إلى تاجر قوافل في الحبشة ، وينقطع عن الكتابة الشعرية نهائياً ، ويعود لبلدته كي يموت بسرطان الساق ، سيتأكد من أن صاحب "المركب النشوان" ، كانت روحه ترتعش دهشة مع كل درجة يصعدها.
إن درج الكتابة لا يمنح لكتَّاب العلاقات العامة ، هؤلاء الذين باتوا يملأون العواصم العربية بضجيجهم الصوتي ، وقرقعتهم التي تزول وتختفي مع زوال الصوت.
ان درج الكتابة هو الذي يجعل الروح تطفح بالرؤى ، بحيث تتحول الكتابة إلى زكاة عن تلك الدهشة الممتعة التي يمنحنا إياها درج الكتابة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور