حينما لاحظ ابني محمد حالة ضجري المسائي ، التي تزورني يومياً ، و تمتد في العادة من السادسة مساء وحتى الثامنة ، اقترح عليّ بشكل مباغت أن نقوم معاً في جولة في السيارة التي صار يتفاخر بقيادتها ، فقلت له موافق بشرط الا تسمعني تلك الأغاني السمجة التي نتشاجر عليها في كل مرة أركب فيها معك السيارة ، فابتسم بمكر شبابي واضح وهو يقول "موافق".

وحينما تحركت بنا السيارة ، قال لي محمد "أنا يا بابا أردت أن أسمعك هذه الأغنية" ، وعندما بدأت أفكر بصيغة الشجار المقبل بيني وبينه ، ضغط على نابض التسجيل ، وبدأ صوت الفنان عبد الوهاب يبدو كالماء الرقراق الذي يروي روحي التي تشقق ترابها من جفاف الضجر المسائي. وهو يغني أغنيته "النهر الخالد".

جلست مسترخياً وبدأت أعصابي بالتراخي وأنا أسمع صوت عبد الوهاب وهو يريني نهر النيل وتاريخه المائي النادر والحضارات التي تعاقبت عليه ، وصمود استمراره بالتدفق ، وحراسته الدائمة للعشاق الذين يبحرون في قواربهم على مائه. وذاك النخيل المصطف على ضفتيه وهو يتمايل مع الرياح التي تجاور تدفق الماء النهري في العادة. وخصوصاً عندما يتحسر عبد الوهاب في السؤال وهو يقول "وأغصن تلك أم صبايا شربن من خمرة الأصيل".

الأغنية أخذتني بعيداً نحو تصورات مكثفة وخصبة عن طفولتي وشبابي ورحلة عمري وتلك الحماقات التي كنت أرتكبها عند كل غواية.

وفجأة وبينما صوت عبد الوهاب يتألق في أذني ووجداني ، أخذت أفكر بمسألة الإبداع الفني ، وكيف يمكن لحالة تكون تعاني من عدم وجودها في الأصل فيأتي كاتب الأغنية كي يكتبها في لحظة شجن لا لشيء سوى أنه شفيف وعاشق لكل الموجودات حوله ، ليأتي بعد ذلك الملحن والمغني الشفيف والعاشق الذي يعي معنى هذه الكلمات ، ليقوم بتلحينها على هذا النسق الجميل.

وفي لحظة الاندماج الكامل مع عبد الوهاب ورحلته العظيمة في تخليق مثل هذه الألحان ، لاحظت أن دمعة انحدرت على خدي ، وحينما اكتشف ابني حالة الشجن التي أمر فيها ، قال لي "هل نعود الى البيت".

فقلت له "نعود إلى البيت" ، قلت هذا وأن أشعر بأني اغتسلت تماماً ، وأني بت أكثر إقبالا على الحياة ، لا لشيء سوى أني استمعت لعبد الوهاب في لحظة مسائية غير متوقعة.

انها الحياة التي يقولون عنها أنها مغطاة بقشة. وهي كذلك بالتأكيد.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور