ربما لم يمر قرن على العالم كانت فيه الاحتياجات الانسانية تساق عنوة الى مربع البيع والربح والخسارة مثل هذا القرن ، وربما بات على الانسان ولكي يحقق أبسط قواعد وجوده الانساني هو أن يبدأ بتسديد فواتير حياته التي طالت كل شيء.
فالهواء الذي كان يتنفسه الانسان بملء رئتيه ومن أي موقع على سطح هذه الارض بعفوية مجانية ، بات معلباً ، ويباع عن طريق أجهزة التكييف ، التي تتكيف مع البرودة ، وتتكيف مع الحرارة ، وتعطيك طعمَ أوكسجينها الخاص.
والخضروات والفاكهة التي كانت تنبت وتشكل بعفوية داخل تربتها ، وتمنحنا رائحتها الزكية ، أدخلناها في الهرمنة كي يكون وقت النمو أسرع ، والحجم بالطبع أكبر ، لا بل أدخلنا نباتات وفواكه استوائية واعتقلناها في تربتنا كي تدر علينا الأرباح السريعة.
أما الماء التي كنّا نذهب الى رأس النبع كي نشربها نقية ومعافاة ، اكتشفنا انها قابلة لكي يعاد تصنيعها من جديد في قوارير متنوعة ، تحمل النسب الكيميائية الصحيحة للماء ، حتى صار اسمها زجاجة "ماء الصحة" ، أما المياه القديمة فقد فسدت من اختلاطها بالشوائب الكافرة التي لا نعلم من أين جاءت لمياهنا. وبلغ بحثنا عن الابار الجوفية وحفر الجديد منها الى درجة أننا صرنا نشكو من شح المياه ، ومن توقع استرتيجيات حربية قادمة على المنطقة اساسها المياه.
وقد بلغت رغبة الربح عند العالم المتحضر انه أخذ يهرب من مختبراته بعض الامراض الجرثومية الفتاكة ، التي أخذت تحمل أسماء مثل انفلونزا الطيور ، وأنفلونزا الخنازير ، وبالطبع فان مبتكر جرثومة الداء هو القادر أساساً على انتاج المطعوم المقاوم لمثل هذه الامراض ، وهذا ما تم بالفعل وليكن لهذا الطرح علاقة خاصة بنظرية المؤامرة ، لان هذا لا يهم طالما نظرية مؤامرة الربح والتسليع قائمة.
وفي الجانب الفكاهي من التسليع السائد ، صار المواطن العربي يتلقى عروضاً على هاتفه لشراء الادعية الدينية الخاصة ، والأغاني الخاصة ، والمشاهد الكوميدية النادرة من بعض الافلام ، والأعتى من كل ذلك هو عرض بيع معرفة برجك اليومي ، لتعرف كيف تتلقى الركلات الجزائية في حياتك اليومية.
أننا في قرن السلعنة فعلاً ، واننا في زمن يصعب فيه تنشق هواء العيش دون ان تقوم بالدفع لكل الجهات المحيطة بك كثمن لحياتك في هذا الوسط أو ذاك. وتلكم هي الكارثة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور