أنا لا أدري من أين جاء هؤلاء الشياطين الى مجتمعنا الأردني. وكيف بدأوا بالنمو والتبرعم بيننا على هذا النحو ، وكيف استطاعوا التحول الى ظاهرة لافتة ، قادرة على التفنن في اللصوصية والاحتيالات المتتالية والجرائم التي تظهر يومياً في صحفنا. وأنا هنا أتحدث عن الأب الذي يقتل ابنه الشاب لمجرد خلاف بسيط ، وعن الابن الذي يقتل الأب بسبب خلافات حمقاء وبسيطة ، وعن الابن الذي يقوم بتزوير وكالة الأرض الوحيدة التي تملكها العائلة ، والقيام ببيعها ، وبيع الممتلكات الوهمية الأخرى ، وانتحال الصفات الاحتيالية.
وأنا هنا أتحدث عن الانحطاط في مستوى اللصوصية الى درجة تسلق الأعمدة الكهربائية حد الموت بحثاً عن الاسلاك النحاسية من أجل بيعها بثمن بخس ، وأتحدث عن الذين يقدمون على خلع مناهل الشوارع والذهاب لبيعها عند تجار الخردة على اعتبار انها حديد يباع ويشترى. متناسين أنهم يخدشون أبسط أشكال حضارتنا وتمدننا.
وأنا منذ الصباح وأنا أعاني من الضرير الذي تناقلت اخباره الصحف الاردنية بالامس ، هذا الضرير الذي يقيم في مدينة "الرصيفة" ، وهو يعيل عائلة كاملة يعاني معظم أفرادها من أمراض مُزمنة ، هذا بالاضافة الى العماء الذي خطف بصره في مرحلة متأخرة من العمر.
وضرير "الرصيفة"هذا كان ذاهباً كعادته في كل شهر كي يقبض راتب المعونة الاجتماعية الذي لا يتجاوز ال"200" دينار ، وعند خروجه من البنك ، توقفت الى جانبه احدى السيارات وقام السائق بعرض خدمة توصيل الضرير الى بيته ، الضرير أحس أن الدنيا مازالت بخير ، وحينما طالبه السائق بالجلوس في المقعد الخلفي ، لم يصدق أن الرجل يسعى الى راحته الى هذا الحد ، وبعد أن تحركت بهما السيارة توقفت بعد عدة أمتار ، وتفاجأ الضرير برجلين يحيطان به في المقعد الخلفي ، مدّ أحدهم سكيناً حادة ووضعها عند خاصرته ، مطالباً اياه باعطائه راتب المعونة كاملاً ، وقام الضرير باعطاء المبلغ بكامله للرجل ، وبعد ذلك ذهب اللصوص بالضرير الى منطقة حرشية مهجورة والقوا به الى الأرض ، ومن ثم غابوا في الطرقات المتشعبة التي بالطبع لم يرها الضرير.
ولنا هنا من أجل أن يكتمل المشهد الدرامي تصور الرجل الضرير وهو يصيح ويبكي وسط هذه المنطقة المهجورة ، وهو يفكر في العائلة التي تنتظر اطلالته مع الراتب الذي تذهب أكثر من نصف قيمته كثمن لعلاجات الامراض المزمنة.
الى هذا الحد بلغ ببعض الافراد في مجتمعنا من الانحطاط اللصوصي ، المتجرد من أبسط القواعد الاخلاقية ، والى هذا الحد من الانحطاط باتت الجريمة تقودنا الى خلع كل صفاتنا الاخلاقية التي ظلت تميز مجتمعنا ، كي تقودنا الى عماء لا يختلف كثيراً عن عماء ضرير الرصيفة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور