أذكر أني كنت طلقاً في الحارة ، وأن طفولتي كانت من صناعتي تماماً ، وربما هذا ما كان يجعلني أقبض على دهشتي الكتابية في وقت مبكر من العمر ، آنذاك كان عمري يقترب من السبع سنوات ، وكانت الكارثة التي تتوعدني هو حضور والدي من دكانه ، ومطالبته لي بالذهاب معه الى مدرسة محمد بن القاسم الثقفي التي تجاور بيتنا ، كي يسجلني في الصف الاول ابتدائي.
أربكتني صرامة والدي وهو يقودني باتجاه غرفة المدير ، الذي كان يرتدي بدلة أنيقة ، وبدا لي وقتها أنه أنيق الى درجة الازعاج ، وقد أكدت على ذلك رائحة عطره ، وما أن اقتربنا من مكتبه حتى نهض هاشاً باشاً وهو يرحب بوالدي ، وبالطبع جلس والدي وهو يقول كمن يعتذر ، وهو يشير اليّ ، "نريد أن نسجل الولد".
نظر اليّ المدير نظرة استعلائية ، كأنه يقيسني ، ومن ثم قال"ما اسمك ياشاطر؟" ، فقلت بصوت سمعته يخرج مني لأول مرة"خليل". ابتسم المدير و بنوع من التشفي الغامض ، وأخذ يمسد على خيزرانة كان يضعها أمامه ، وقال لي على نحو مباغت "7 ضرب 9 ياخليل" فما كان مني الا أن حدقت بالسقف ، وأنا أحاول أن أوهمه بأني أفكر ، وحينما طالت فترة تحديقي بالسقف ، ضرب المدير بالخيزرانة ذاتها سطح طاولته ، وهو يصيح بي "الا تعرف جدول الضرب" ، بدا والدي مرتبكاً وهو يراقب حالة الرعب التي أصابتني ، سيما وأنه كان يحتفظ بمحبة خاصة لي ، وقال وكأنه يعتذر "الولد لم يدخل المدرسة بعد" وهنا نظر الينا المدير نظرة دائرية ، وقال "عليه أن يعرف الحساب والعربي وباقي الدروس اعتباراً من اليوم".
مرت أيام بعدها وبدأ الدوام المدرسي ، وأنا أفكر بعبارة المدير "جدول الضرب" ، وكيف يمكن لدرس أن يرتبط بالضرب ، وهذا ما كان يجعلني ، وفي كل حصة تخص جدول الضرب ، أتحسس يدي وأطرافي خوفاً من الضرب. وأشهد أني بقيت وحتى ايامي هذه أظل أحاذر حل أي مسألة حسابية ، مهما كان حجمها ، ولكن الضربة القاضية تلقيتها حينما بدأت آخذ درس الجبر ، حيث الحروف التي تضرب وتجمع وتتشكل في معادلات جبرية ، وخصوصاً عندما ينتهي السؤال بعبارة "أوجد قيمة سين".
وأنا ما زلت أذكر كيف وقفت مقاطعاً استاذ الرياضيات في الصف الثاني أعدادي ، حينما قلت له "يا استاذ انتم تعطونا دروسا ، ليست لها علاقة بالواقع" وحين قال لي "ماقصدك" قلت له "اننا نذهب الى الاسواق نبيع ونشتري ، ونختلط بكل الناس ولا نرى هذه السين الجبرية".
يومها ضحك المعلم ، وقال لي ساخراً "هذه السين ياخليل تصنع الصورايخ".
ومع ذلك فأنا أعتقد أن سبب كرهي المزمن للمدارس والتعليم عموماً ، هو ذاك السؤال الذي طرحه عليّ المدير ، والخاص بجدول الضرب.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور