على اثر الانتفاضة الفلسطينية ، وما أحدثته لحظة انبثاقها الجماهيري ، صار من الواجب أن تبحث الصحافة الغربية عن مفردة في اللغة الانجليزية وربما في باقي لغات العالم أيضاً ، لكن مامن أحد وجد كلمة تعبر عن هذا السيل البشري الهادر في الشوارع والميادين العامة الفلسطينية ، الا كلمة "انتفاضة" ، ولهذا صرنا نسمع تعبير انتفاضة بتحويل الضاد الى دال.
وهاهي الانتفاضة بتعبيرها الملح لتقمص المشهد الجماهيري التونسي ، تحتل الخبر المحلي والعالمي بالتعبير ذاته ، الذي اجترحه الفلسطينيون. لتصبح انتفاضة الشعب التونسي احدى العبارات الملحة في الميديا العربية والعالمية.
واذا كانت الانتفاضة الفلسطينية وارتفاع لهيبها وأواره كانت بسبب تدنيس سيء الذكر "شارون"ساحة الأقصى ، فان انتفاضة الشعب التونسي حدثت بسبب تفاصيل صغيرة تكاد تكون قصصية ، لكنها من تلك التفاصيل التي حينما تخلق النتيجة تصير مبررة.
فالعواصم العربية شهدت أكثر من حالة انتحارية ، لكن تلك الحوادث ارتبطت بفشل شخصي لاصحابها ، أو بسبب تداعيات نفسية وانفصامية قادرة على أن تقود صاحبها الى الانتحار. لكن مامن انتحار حرك الشارع العربي.
لكن الحادثة الانتحارية التي قام بها ابوسعيدي المواطن التونسي الذي حينما حجز رجال الامن على عربته التي يبيع عليها الخضار ، أحس أن روحه قد صارت رهن الاعتقال والحجز ، وهنا يمكن القول بأن المرحوم ابوسعيدي ، استطاع ان يختار اللحظة التاريخية في الاعلان عن احتجاجه على القمع والحجز باحراق نفسه في مشهد علني. ليقوم مشهد احتراقه بتأجيج الثورة الحقيقية في تونس ، ثورة استطاعت خلال أسابيع قليلة من أن تجعل رأس النظام زين بن علي يهرب هو وما أتيح له من بقايا العائلة.
والغريب أن شباناً في عواصم عربية متعددة حاولوا أن ينهجوا النهج ذاته في حرق انفسهم ، بشكل علني ولافت ، لكنهم فشلوا في تحريك الجماهير ، وقد تناسى هؤلاء ، أن بعض الانقلابات والانتفاضات العارمة لم تحدث الا في وقتها المناسب. وأن بوصلة الفقراء حينما توقظهم من سباتهم ، تكون في لحظة ذات سمة كيميائية خاصة ، وربما مطلسمة ، من الصعب تقليدها أو اعادة انتاجها.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور