كما يحدث معك غالبا ، توقف سيارة التاكسي ، وتجلس مجاوراً لسائقها ، فتفجع أحيانا حاسة الشم عندك بتلك الروائح التي تبثها مسام جسد هذا السائق ، وأنت تتحاشى هذا الدبق في المقعد والتابلوه ، وتلك الغمامة المتسخة التي تعم فضاء التاكسي من الداخل ، فتسأل نفسك على نحو مباغت"كم اسبوع مرّ على جسد سائق التاكسي هذا ، دون أن يستحم أو يغتسل ، حتى استطاع جسده أن يطلق مثل هذه الرائحة؟". وكعادتك تحاول أن تفكر في الأمر على نحو حضاري ، "وخصوصاً أن سائق التاكسي عموما يمثل الواجهة المدنية والحضارية لأي عاصمة أو مدينة" ، وتفكر ماذا لو أن دائرة السير التي استطاعت أن توحد ألوان سيارات الأجرة ، بهذه الالوان المحكمة ، ماذا لو فكرت بتطوير مشهد سائق التاكسي ، وذلك باخضاعه لدورات تعليمية في جغرافيا المدينة ، وفي اسلوب تواصله مع الناس ، والزامه بالزي الموحد والأنيق الذي لا يحتمل مثل هذه النتانة التي يحملها جسد صاحبنا.
لكن السائق يخرجك من كل هذه التداعيات حينما يضرب مقود سيارته بقبضة يده اليمنى ، وهو يتنهد قائلاً "الحياة انعدم فيها الخير ، وما عدنا نفكر بمساعدة بعضنا البعض كما كنا زمان" ، تنظر اليه وأنت تتحاشى تنشق رائحته وتقول" ما القصة؟". فتراه وهو يأخذ نفساً عميقاً ويقول" ولدي الوحيد أدخلته المستشفى الخاص قبل أيام وقال لي الدكتور المشرف عليه ، أن عمليته تكلفك "300" دينار ، فذهبت وبعت الذي فوقي والذي تحتي ، واستطعت أن أو فر له المبلغ ، لكن الطبيب ذاته قال لي وحينما أردنا اخراج الولد من المستشفى قال عليك ان تدفع مبلغ قيمته "300" دينار بدل اقامة ابنك المريض ومرافقته في المستشفى ، وهنا أصبت بحالة من الهلع وأنا أطوف على كل الناس واستجير بأهلي وبأقاربي وجيراني ، وحتى بالمصلين في المساجد فلم أجد أي مساعدة". فقلت له "اذهب الى أي بنك واحصل على قرض بسيط وسدد المبلغ" ، فصرخ في وجهي"هذا حرام وأنا لا أعالج أبني بالربا".
وهنا أحسست بالتورط ، وفكرت بعدد سائقي التاكسي ، الذين أخذت اتعرض لشكواهم الاقتصادية ، وأن استمع الى قصص مشابهة عن الولد الذي تم حجزه في غرفة العمليات مقابل مبلغاً من المال. وعن اليوم الطويل الذي قضاه السائق وهو يجوب الشوارع دون أن يحصل على أي راكب وأني الراكب الوحيد الذي أشار له بالتوقف. وكثيراً ما كنت أسأل نفسي ان كانت هذه طريقة جديدة في التسول؟
لكني وعند بوابة بيتي قلت له "عندك" ، وحينما خرجت من التاكسي شعرت بالحاجة الى تنشق كمية هائلة من الهواء ، على الأقل للتخلص من تلك الرائحة التي لن تغادر أنفي بسهولة،،
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور