ما كان عليك يا صديقي أن تغيب في موتك على هذا النحو. كنت أتوقع لرجل نادر الحدوث مثلك تحديداً ، أن يدعو كل الاصدقاء الى بيته العامر دائماً بالمحبة ، ويسهر

معهم طويلاً ، يحدثهم عن المشاريع الكتابية التي ينوي القيام بها ، وعن طفولتك المادبية ، وولادتك قسراً في بيادرها حيث شغب ولادتك لم يجعل أمك تأخذ فرصتها كي تذهب الى بيتها وتلدك مثل كل الناس ، بل أصررت ان تختار ولادتك فوق القمح الذي تكسر تحت أمك وهي تشهق بطلق الولادة كي تولد برياً كما شئت. وعن ذاكرة الاحزاب العربية المناضلة ، وعن غدر بعض الرفاق ، وعن سنوات النضال والاعتقال ، والدعوة الدائمة لعقد الحلقات التنظيمية وعقد المؤتمرات الكفاحية ، وعن تلك

الجلطة التي أقعدتك طويلاً في البيت ، وجعلتك تقول لي ذات مرّة "انا رهن اعتقال هذه المساحة المقعدية يا خليل".

وكنت أتوقع وأنت الرجل الذي قدّ من الابتهاج والأمل والاقبال على الحياة وقبل موتك الغادر هذا بفليل أن تنهض من مقعد الشلل المقيت ، وتنتصب واقفاً على قدميك لتقول "ها أنا معافى أيها الرفاق".

كنّا جميعاً نهجس بموتك لكن قوة وهجك في الاقبال على الحياة كانت تجعلنا نحدق بدهشة في هذا الاقبال الزوربوي على الحياة ، لتجعلنا نؤجل فكرة توقع موتك ، وكان انضباطك مع التوصيات الطبية المقيتة بالابتعاد عن الدخان ، وأنت الذي كنت تبدو وكأنك ولدت وفي فمك سيجارة ، وتحاشي الانفعال والتقليل من الكسترول والدهنيات.

كل هذا كان يجعلنا نصدق أن الموت لن يباغتك ويأخذك منّا على هذا النحو الموجع. وأن الرئة التي حرمتها من التبغ لأكثر من ثلاث سنوات لن تباغتك بخلية سرطانية متمردة.

ما كان عليك يا صديقي أن تذهب بقدميك اللتين أعياهما الجلوس على مقعد الجلطة والشلل النصفي ، الى المستشفى والى الأسرة البيضاء ، والى تلك الردهات البيضاء المرعبة ، وأجهزة الاوكسجين المُعلّب حتى تموت. فقد سبق وان زرتك قبل موتك بشهر تقريباً ، وزجرتني قائلاً: "اعطني مجموعتك القصصية الاخيرة يا خليل ، وحاول أن تزرني كثيراً فأنا أحبك".

عذرك يا صديقي أعطني فرصة كي أبكيك قليلاً ، وأشهق بحرقة الرجال ، وأقول لك "سالم النحاس.. وداعاً".


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور