اعتاد الرجل كلما التقى بي ، أن يشاهدني وأنا في حالة تبغية كاملة ، وهذا ما كان يجعله يقف بقامته المنتفخة كبالون ، وبوجهه المستدير الطافح بالحمرة ، كي يبدأ بتعنيفي ، والتمتع بارشادي عن مضار التدخين ، وضرورة احترام مشاعر الناس ، وكان في غضون ذلك يتمتع وبشكل جلي وواضح ، باستعراض تاريخه الصحي ، وأن ما من أحد من ابنائه وضع سيجارة بين شفتيه ، لا بل يذهب الى أبعد من ذلك في القول: إنه يرفض أن يستقبل في بيته أي مدخن ، وأن بيته يخلو ، تماماً ، المنافض.

الرجل ظلّ يوجهني تبغياً كلما شاهدني ، وبقيت متكاسلاً في الرد عليه ، تاركاً له هذه المتعة السطحية في التوجيه ، وفي تباهيه الدائم في عدم التدخين ، وتلك الأيمان التي كان يطلقها كي يؤكد كرهه للدخان ، وأنه لا يتذكر أنه وضع سيجارة بين شفتيه.

الرجل كان يذكرني برجل أثار انتباه اولاد الحارة حين استأجر بيتاً هو وزوجته ، وبتلك الأناقة التي كان يتحلى بها في ملابسه هو وزوجته وخصوصاً ، وتلك اللغة الهامسة التي كان يتحدث بها مع زوجته ، وكان يبدو وهو يسير معها في تلك المساءات الاربدية الجميلة ، كسيد متوج وهو يسير بأنفة تجعله يبدو أنه يشتم رائحة كريهة باستمرار ، ويحدق بشقاواتنا بنوع من التقزز غير المبرر. والأمر الاشرافي الذي كان يمارسه الرجل على أولاد الحارة تعدى ذلك ، حيث كان الرجل وحينما يسمع أي شتيمة يطلقها أي واحد منّا تجاه الآخر ، ينفعل وينادي على الولد الذي أطلق الشتيمة ، ويلقي عليه محاضرة في الأخلاق والأدب وضرورة التحلي باالاخلاق الحميدة.

الرجل الذي كان يبدو لنا مسائياً بامتياز تحول الى كابوس ، وهو يطاردنا الواحد تلو الآخر في محاضراته عن التهذيب والاخلاق ، لكن أحد رفاق الطفولة وهو بالمناسبة من الاولاد البارعين في نحت الشتائم الجديدة وتوزيعها علينا ، دعانا الى اجتماع طارىء ، وأخبرنا عن خطة تريحنا من هذا الرجل ، وعلى هذا الأساس قادنا جميعاً نحو بيت الرجل ، وبدأ باطلاق تلك الشتائم الفاحشة وحينما خرج الينا الرجل كي يلقي محاضرته ، وجه له رفيقنا شتيمة نادرة جعلت الرجل يتسمر في مكانه ثم ينسحب الى بيته ، لاغياً كل مشاويره المسائية.

اليوم حضر أمامي الرجل المعافى من التبغ وبدأ يمهد لالقاء محاضرته عن التبغ ، لكني هذه المرة قاطعته وأنا أقول" الا يكفي أنك لا تدخن ولا تدفع نقوداً كثمن للتبغ ، ثم من قال: إنك بصحة جيدة ، هل فحصت الدهون المتكومة فوق قلبك ، وداخل كرشك هذا ، هل فحصت الضعط في شرايين جسدك المستدير هذا كدائرة؟ وهل أعفيت هذا الجسد من تراكم الشحوم والأمراض النائمة".

الرجل بدا مرتبكاً وهو ينسحب من أمامي بهدوء ، وصار كلما التقاني يحييني ويتلمس خده المتورم كمن تلقى صفعة مباغتة.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور