"مطر.. مطر" هذا هو مطلع نشيد الشاعر السياب للمطر ، وكذلك كانت شهقتي التي كنت أوشوش روحي بها طوال يوم البارحة وأنا أترك جسدي يتلذذ بالبلل الذي دهمه المطر على نحو مباغت في وسط البلد ، حيث شعرت بضرورة العودة الى البيت هروباً من هذا الابتلال الذي أيقظ الوسخ النائم على جدران المحال التجارية والأرصفة والبضائع الراقدة على البسطات الساذجة.

مطر ..مطر يقدر على اعادتي وبسرعة عجيبة الى البيت والى التلذذ بذاكرة مطرية ، كانت قادرة على قدح مخيالي بخصوبة عجيبة تجعل كل شيء أن ينقاد اليّ بسهولة التخيل ، وجلب الحالات التي كنت أعتقد انها ماتت ، تجيء اليّ مخفورة بالحب.

وفي المطر الذي تواصل منذ البارحة في الهطل الغزير ، تذكرت شتاءات طفولتي في الستينيات من القرن الفائت ، حيث كانت الامطار تستمر في الهطل الى ما يزيد عن سبعة أيام ، تاركة لنا حرية الاعتقال الجميل داخل البيت ، والتلصلص من النوافذ ومتعة مراقبة الشوارع التي طردت المارة وبقيت وحيدة مع اسفلتها. كما تركت بقال الحي وحيداً هو الآخر.

كان ذاك الفراغ مباغتا من المارة والاطلالة الحزينة لبقال الحي وهو يحدق بأبوابنا المغلقة يجعلنا أكثر تشبثاً بالبيت. وكان ذلك يجعلنا نحدق ملياً بوجه الأب الذي عاد في وقت مبكر من عمله ، تاركاً الحذاء المغمس بطين الرزق يحدق بنا ، كما كان ذاك المطر يجعلنا نتنطط حول الأم التي كانت تستيقظ في روحها الحقول البعيدة ، تلك الحقول التي كانت تجعلها تطلق العتابا والميجنا وحسرة فقدان الاهل والبلاد ، كانت تفعل ذلك وهي تقوم بطهي طعامنا الذي له هو الآخر مذاق الشتاء ومذاق عتمته النهارية المحببة.

وفي ذاك المطر كنّا أيضاً نستذكر بنات الحارة الواحدة تلو الاخرى ، ونتوقف ملياً عند فاتنة الحي التي سرقت قلوب اولاد الحارة ، قبل أن يقفوا على عتبة البلوغ ، ونحن نحاول ان نستعجل توقف المطر ، واستحضار تلك الشمس المطرية وهي تطل من بين الغيوم الراحلة كي نجدد مشاهدة وجهها الوضاء من جديد ، وكي نعيد شغبنا مع اطلالتها من جديد.

مطر.. مطر .. مطر استطاع أن يمسح عن ارواحنا كل هذا الصدأ ، ويعيد لنا بهجة كنّا قد افتقدناها منذ أمد بعيد. مطر جعلني أهتف فرحاً "الغيث.. الغيث.. يارب الغيث" وقد شعرت ان السهول والجبال والبوادي وطفولتي التي غابت عني كثيراً تردد هذا لهتاف خلفي بشهقة الحنين ذاتها.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور