ما زال القائد السياسي العربي يرضع من ثدي التاريخ ، وما زال يتشبث بالمفهوم المتورم تاريخياً في الوجدان الجمعي العربي حول فكرة الزعامة ماحقاً بذلك مفهوم العصرنة في التعامل مع مكانته القيادية ، وهارساً لكل الاشكال التحضرية في التعامل مع جماهيره.

فالزعيم السياسي العربي وما أن يبدأ الحراك الجماهيري الثائر بالانقلاب على قدسية زعامته ، ساعياً الى كشف ملامحه الديكتاتورية الحقيقية ، وتعطشه المُزمن للسلطة والمقعد الرئاسي ، حتى يبدأ هذا الزعيم بهجر كل ماهو مضارع حضاري ، كي يذهب الى أعماق بطن التاريخ الشرقي المتخلف في تعامل الجماهير مع تبجيل الزعامة والرئيس ، ليستل المشهد العتيق للزعيم الملهم في التاريخ ، ويعمل على تسويقه حتى يسترد مشهده القيادي الذي تزعزع أمام انتفاضة الجماهير.

وأمس الأول كنت اجلس أمام الفضائيات بانتظار ظهور الرئيس الليبي معمر القذافي ، كنت أفعل هذا وأنا أحاول أن أقدح مخيالي في تصور المشهد الكاريكاتوري الذي سوف يظهر به زعيم حركة الفاتح ، لا لشيء سوى أنه عودني كمواطن عربي على خيمته الخرقاء التي ترافقه اينما حل واينما ذهب ، وحركاته في الاكسسورات التي يرتديها ، من عباءة وعمامة وقبعات غرائبية وأرنبة أنف شامخة دون أي مناسبة ، وتأتأة متعمدة في الكلام الذي يخرج من فمه بطريقة ازدرائية تعمل على اهانة أُذن المستمع ، وأوراق يضعها امامه بشكل فوضوي كي يثبت بأن نطقه أبلغ وأفصح من الكتابة والحبر.

أعترف أني وحالما شاهدته يطل من على شاشة الفضائية أني فشلت في توقعاتي ، ذلك أن الرجل ظهر بوجهه الحقيقي الذي لا يخلو من هيلمان البلطجي ، بوقفته الممسرحة من خلال نافذة بيته الذي كان قصفه الامريكان ، وبملابسه الصفراء المخضرة التي كانت بلون الموت ، وبصوته الذي كان من خلاله يعمل على تعظيم ذاته المتورمة اصلاً ، وهو يحقر الجماهير وانتفاضتهم ، واصفاً اياهم بالجرذان ، وواصفاً نفسه بأنه المجد ذاته ، وأنه أكبر من أن يتنحى لأنه ليس رئيس دولة بل هو قائد ثورة ، مهدداً الشعب الليبي بالمحق والقتل أمام الزحف المقدس ان حاول هذا الشعب المقهور التظاهر ضده أو فكر بالانقلاب عليه.

أمس الأول جعلني العقيد معمر القذافي أفكر في بعض الزعامات العربية التي نمت وترعرعت خارج التاريخ الهادر الجريان للجماهير والشعوب.

والعقيد القذافي جعلني ، وهو يهدد شعبه بالقتل وبالمحق ، أشعر بالحسرة الحضارية التي ما زالت تجعلنا نقيم في مربع الديكتاتور العربي الاول الحجاج الذي قال من على منبر المسجد "والله إني لأرى رؤوساً قد أينعت وحان قطافها وإني لصاحبها".

وكان كل هذا يكفي في تلك الليلة كي أنام مغموماً،،


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور