كان يمكن للثورات الجماهيرية العربية المتلاحقة هذه الأيام ، أن تطحن بالمدافع والدبابات ، وأن تهرس كي تتساوى مع الأسفلت ، لولا أن المشهد الجماهيري أصبح متلفزاً ، وأن الثورة التكنولوجية في تعميم الصورة ونشرها أصبحت قادرة على رصد أدق التفاصيل الجماهيرية في شوارع العواصم العربية وباقي الأماكن. وقد يرافق هذه المشاهد متابعات لجهات دولية ومنظمات انسانية مدنية ، يكون لها الأثر الحقيقي في الوقوف الى جانب هذه الثورة أو تلك.

وكان يمكن للديكتاتور العربي المدجج بالنياشين بطاووسية نادرة أن يظلّ على سدة حكمه ، بعد أن يقوم في عتمة النهار العربي الساذج بطحن أية معارضة قد تحاول مجرد محاولة الوقوف في وجهه. لكن ثورة الصورة ظلّ الزعيم العربي تحديداً يتعامل معها باعتبارها من مظاهر الغنج العصري ، التي تتصل بالشات والرسائل ، وأنها لن تصل الى مستوى تجسيد الصورة بهذه البشاعة.

والأمر لم يتوقف حصرياً على الزعيم العربي في رصده المهمل لهذه الظاهرة ، بل تعدى الأمر ذلك ليصل الى الكوادر الحزبية التي ظلت تجلس على جمجمة المواطن العربي بسماكة التنظيرات الثورية التي أكل عليها الدهر وشرب ، كما وصل الإهمال الى الحركات الثقافية والمعرفية العربية التي ظلت هي الأخرى تنظر الى الفكرة باعتبارها من البيض الفاسد الذي فرخته العولمة الرأسمالية.

ما من جهة عربية توقعت أن ينهض الجيل الشبابي الغاضب والثائر بشعاراته الانقلابية عبر الرسائل الإلكترونية ، من خلال موقع "الفيس بوك" ومن خلال وسائل أخرى في الاتجاه ذاته.

وما من أحد كان يتوقع أن ينهض الشباب العربي الثائر ، وهو يضع خلفه كل الأحزاب العربية وكل الجهات الثقافية خلفه ، ويتقدم المسيرة بهذه النجابة المدهشة ، وبكل هذا البهاء ، وأن يقف كي يملي على الزعامة العربية ارادته واشتراطاته الثورية ، وأن يكشف للجماهير العربية عن عورة الثورات العربية التي تاجرت بالشعارت عبر سنوات طوال.

إن من يراقب اشتعالات العواصم العربية بهذا التسارع المدهش ، ويراقب هذا الافتداء الشبابي ، وتلك الهمّة الثورية التي لا تهادن ، وكل هذا الانضباط في توزيع المهام ، سيدرك بأن جيلاً عربياً قادما هو الذي سيقود شمس النهار العربي ، كي تغتسل الشعوب بتلك الأشعة التي حرمت منها لقرون ، وأن تودع أقبية الديكتاتور وعتمتها القاتلة للروح الى الأبد. والمجد كل المجد لزمن التلفزة ، وللشباب الخارجين من رحم هذا الزمن.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور