في زحمة الانقلابات التي اكتظت فيها فترة الستينيات في الوطن العربي ، حيث كانت مجموعة ضباط تذهب الى مبنى الاذاعة لتعلن بيانها الاول ، استطاع الضابط معمر القذافي أن يعلن انقلابه على الملك ادريس السنوسي ، ويعلن في زحمة الشعارات الاذاعية الطائرة عن انه العضيد الوحيد والخليف الشرعي للرئيس جمال عبد الناصر ، وأنه مورد الثورات الشعبية الحقيقية للمغرب العربي.
من هذه النقطة بالضبط بدأ العنكبوت الديكتاتور بصناعة خيوطه على الجغرافيا الليبية ، من وسط الحركات الوطنية الناشئة في الوطن العربي آنذاك ، ومن وسط ديماغوجيتها بدأ الضابط الذي منح نفسه رتبة عقيد ، الانطلاق نحو تحقيق شخصية الديكتاتور ، وبدأ بتحقيق الاحلام السرابية التي كانت تشكل سايكولوجية طفل الصحراء.
نعم لقد استطاعت احلام العقيد أن تجب تاريخ شعب قاوم الاستعمار الايطالي ، وقدم سيد شهداء المقاومة "عمر المختار" ، واستطاع أن يمزق كل الدساتير الارضية ويفرض كتابه الاخضر المليء بالهلوسات التي تلغي كل المعايير الحضارية الانسانية التي تنظم علاقة الانسان بدولته.
اكثر من أربعين عاماً والعقيد القذافي يحتل الجغرافيا الليبية بصورته التي تحتل البيوت والميادين والاسواق ، أكثر من أربعين عاماً وجغرافيا المدن الليبية غائبة عن الاطلس الجغرافي العربي ، والحضور الوحيد والاوحد في المشهد الليبي لصورة العقيد بملابسه العسكرية تارة ، وبملابسه الفكاهية تارة أخرى ، وبخطاباته التي تعبر بالفعل عن هيمنة الديكتاتور ، وتقززه المزمن من شعبه.
ومن هنا كانت اطلالة العقيد على الجماهير الليبية في أول خطاب هي اطلالة شرسة ، تصف الشباب الليبي الثائر ب"الفئران والجرذان والمقملين" ، ومن هنا بدأ الفصام والعصاب يظهران بشكل واضح في الخطاب الذي ألقاه العقيد ، ذلك أن شخصية الديكتاتور لا تسمح أن تحل في الجغرافيا الذاتية الخاصة بمشهده أن يطل منها الشعب الليبي ، على الوطن العربي والعالم.
ومن هنا أخذ النظام "المزرعة" يوزع على الابناء المهام في توعد الشعب الليبي بتحويل حياته الى "جمرة حمراء". ومن هنا بدأ التصعيد باستعمال كل الاسلحة المتاحة والمرتزقة من أجل اعادة الشعب الليبي الى حظيرة الديكتاتور التي لا تحتمل القسمة على اثنين.
ومن هنا فان العالم أجمع على موعد مع أفعال اجرامية سوف يرتكبها العقيد الأحمق ، وسوف يذبح العديد من الابرياء.
لكن من قال: إن التاريخ لن يدوس بأحذيته الجبارة هذا الديكتاتور ، ليكون درساً لكل أحمق يعتقد أن الزعامة تخوله اللعب في ارواح الناس ومقدراتهم.
ان ليبيا الجديدة القادمة سوف تنتصر بهمة شعبها الذي غيب كثيراً ، وسوف يتحول العقيد الديكتاتور الى فكاهة يتندر بها التاريخ.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور