أمس الأول تلقيت خبر وفاتها ، انها أم رفاعي الحتاملة ، أمي الثانية ، جارتنا في البيت البسيط الذي ولدت به ، والمطل على الحوش الذي كان يتسع للبئر الأولى التي أكلت رأسي بعمقها المائي ، وبتلك التجويفة التي كانت تجعلني أسرق الصحون والملاعق وبعض السكاكين كي أتلذذ بسماع ارتطامها بتلك الأمواء المعتمة العميقة. وذاك الخان الذي كان يمتلئ بالعتمة هو الآخر ويرسم لي بعض الأشباح التي كانت تختلط برائحة القش والتبن.
أول أمس ماتت تلك السيدة المتبقية من زمن الجيران الجميل ، حيث التآلف والتواكل والتعاضد ، وتلك البحة الجميلة في الصوت حينما كانت تنادي عليّ أنا والاولاد كي نكف عن شقاواتنا.
ما زلت أذكر استطالة بوابة بيتها ، وخطواتي المرتجفة التي كانت في أول النهوض ، تقودني الى تلك البوابة الكبيرة كي أطلب منها شيئا ، بلغتني به أُمي ، وكانت ترد عليّ من خلال شق الباب المشرع دائماً لكل قادم "أدخل يمه يا.. خليل".
وما زلت أذكر محبتها لي وهي تعانقني قائلة" أنت ياخليل رضعت مني.. أنت ابني بالرضاعة" ولم أكن أفهم ذلك وقتها ، لكن مع مرور الزمن جعلني حنانها أدرك معنى أن تكون لك أم اضافية ، أو أم ثانية كما كان يحلو لي أن أسميها.
ما زلت أذكر مصطبة حوش دار أبو رفاعي ، وايقاع حذاء أبو رفاعي العسكري حينما كان يعود الى البيت في اجازاته الاسبوعية أو الشهرية ، فيبدو لي بملابسه العسكرية ، وشماغه الأحمر ، وشعار الجيش العربي كأنه يجيء من منطقة سحرية.
وما زلت أذكر سقف القصيب الذي كان يدهشني باصطفاف قصيبه ، والقواطع المعدنية ذات اللون البني ، وتلك الصورة التي كانت للمرأة الجميلة "فاطمة المغربية" ، المعلقة على جدار تلك الغرفة ، وهي تأسر طفولتي بجمالها الخارق.
ما زلت أذكر تلك العلاقة التي ظلت متواصلة بيننا كعائلة وبين عائلة أبو رفاعي الحتاملة ، حتى بعد أن رحلت عائلتي الى البيت الجديد ، وما زلت أذكر الوجه الصبوح لأمي الثانية أم رفاعي كلما أقبلت على بيتنا وكلما ذهبنا اليها أيضاً أنا وأمي.
توفيت أمي ، وتوفي والدي ، وبقيت أم الرفاعي تحرس ذاكرتي ، وتحرس ذاك الزمن الجميل ، وأول أمس وأنا أتمشى في الزحمة العمرانية للعاصمة تلقيت الخبر على جهازي الخلوي ، وكان عليّ أن اتكىء على أول جدار ، وأنا أستمطر شآبيب الرحمة لروحها ، وأغيب في قراءة الفاتحة ، وأهمس يا الهي "لقد ماتت أمي الثانية".
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور