عند كل مصيبة سياسية مدمرة تبزغ على نحو سريع وملح ، فكرة الرعايا الذين يهربون من مكان المصيبة خوفاً من القتل ، أو حتى الذبح فيعلقون على الحدود وهم يطلقون الاستغاثات ومخاطبة سفاراتهم ودولهم للاسراع بانقاذهم.

ويبدو أن لمثل هذه المسألة امكانياتها الخاصة في الكشف عن مستوى التواصل الحضاري بين هؤلاء الرعايا ودولهم ، ومدى الأهمية التي تبديها سفارات هؤلاء الرعايا تجاه حياتهم وأرواحهم.

وقد جرت العادة أن الدول الكبرى والمتحضرة التي تعرف قيمة مواطنيها ، تقوم وعلى وجه السرعة في تحذير رعاياها قبل استفحال الحادثة السياسية ، وتسعى لترحيلهم في وقت مبكر ، ويحسب للسفارة الامريكية والسفارة البريطانية كدهما الواعي والحضاري في مثل هذه الظروف ، والعمل على انقاذ رعاياهم قبل أن يقع الفأس في الرأس. وقد كان هذا المسلك واضحاً خلال الثورة الشبابية في مصر ، وخلال الثورة التونسية ، وخلال الثورة الليبية ، فقد قامت هاتان السفارتان باجلاء رعاياهم في وقت مبكر.

لكن الفضيحة الحقيقية كانت في مستوى تعامل سفارات دول العالم الثالث مع رعاياهم الذين علقوا في الحدود التونسية الليبية ، فقد ذاق هؤلاء الرعايا أقسى حالات التشرد والجوع وهم يستنجدون بسفاراتهم ودولهم ، لترحيلهم واعادتهم لدولهم ، الا أن هذه الدول بقيت تتباطأ في التحرك اللوجستي لانقاذ رعاياهم.

وكشفت المحنة الليبية أن بعض الدول لا تمتلك الامكانيات المادية لترحيل رعاياها ، ويمكن الجزم أنه لولا بعض المساعدات الدولية ، وتحريك البوارج والطائرات الحربية لبقي معظم هؤلاء الرعايا في خيامهم الطازجة.

والطريف أن بعض الرعايا الذين قذفتهم حرب ليبيا الثوار مع العقيد الى المعبر الحدودي التونسي عبروا عن رغبتهم في عدم العودة الى أوطانهم ، وانا ما زلت أذكر المواطن الصومالي الذي قال لمذيع احدى الفضائيات :"كيف أعود الى بلدي التي هي بلا حكومة منذ عشرين عاماً".

والحال ان ما نريد قوله من خلال هذه الظاهرة ، أن العلاقة بين سفارت دول العالم الثالث ، ومواطنيها هي علاقة دركية وأمنية وتقوم على الزجر ، ولا ترتقي بأي حال من الاحوال الى التعامل الانساني الذي يتحلى بالمسؤولية الوطنية ، ولعل ما حدث مع العالقين على المعبر الحدودي التونسي الليبي ، هو أكبر دليل على هذا الاستعلاء الذي تبديه سفارات دول العالم الثالث مع رعاياها. وأن بعض الرعايا هم فعلاً يمكن تسميتهم برعايا خمس نجوم.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور