في الحروب والأزمات ووسط فعل الاقتتال الشوارعي في الساحات والأمكنة ، تتبدى فعلاً الملامح الحقيقية للشعوب ، وتتقشر تلك السماكة الهلامية والأميبية الكاذبة التي تغلف المعدن الأصيل للشعوب.
نعم في المحن التي تجعل الاستقرار الاجتماعي الكاذب والواهن ، الذي تجري في ثناياه أبشع أشكال التسلط ، وأعتى أشكال الفساد ، يتفجر ويكشف عن تلك الجرائم الصامتة التي ترتكب بحق الشعوب ، تظهر تلك الارادة الصلبة والمعافاة للشعوب ، لتظهر أصل الصورة التي تم التعتيم عليها طويلاً.
ان الثورات الجماهيرية العربية المتلاحقة كشفت من ان العربي لم يودع مخزونه الحضاري بعد ، وأن الشعوب ليست مستلبة أو منكسرة ، كما كانت الثقافة السائدة تصورها لنا. واننا كعرب لم نصل بعد الى فقدان الثقة بموروثنا الى تلك الدرجة المعدمة التي كدنا نصدقها ونعتمدها كأساس لحياتنا.
لقد كشفت الثورة المصرية عن الارث الحضاري العربي في مصر ، وكيف تجلى هذا الارث بالعمل المواظب المسلح بالاصرار على اقتلاع الطاغوت المهيمن من جذوره ، وكيف كشفت هذه المواظبة عن قيم الاقتداء عند شباب مصر ، وعن قيم التكافل في حماية مساحة الاحتشاد الجماهيري في ميدان التحرير ، بحيث استطاع هذا الميدان أن يختصر الجغرافيا المصرية بكل هذا الوضوح الجميل.
وكشفت الثورة التونسية عن وعي تظاهري شبابي استطاع في فترة بسيطة أن يقلب معادلة الديكتاتور بن علي وعائلته ، وأن يكشف عن وعي المجتمع التونسي وقدرته على ادارة المعركة مع قوى الفساد والتسلط ، وأن يفتت آخر الفلول التي تركها بن علي كطعم للقيام بالثورة المضادة ، وأن يقوى هذا الحراك الجماهيري وأن يُعيد لتونس عافيتها المجتمعية التي تستحقها.
وكشفت الثورة الليبية عن شعب كامل الدسم الحضاري ، تم تغييبه والتعتيم عليه بسبب ثقل حضور صورة العقيد الذي احتل الجغرافيا الليبية بفكاهاته المرضية وملابسه الفلوكلورية وبحة صوته التي تنبع من ضجر التسلط ، وصار يمكن للشعوب العربية أن ترى المعارضة الليبية وفكرها النير والمعافى ، الذي ينبع من عروبة حقيقية كان العقيد يراهن على وسمها بالأفرقة والتنصل من معطاها التاريخي العربي.
وكشفت الهمة التي تولاها الشباب التونسي التي أبداها هؤلاء الشباب في اطعام واسكان الجاليات العربية والآسيوية التي كانت عالقة على الحدود التونسية الليبية ، مدى عمق العطاء العربي الكامن في الشخصية التونسية.
الشخصية العربية التي كنّا قد اعتقدنا اننا قد ودعناها في زحمة تسلط بعض الأنظمة الديكتاتورية ، أكدت لنا أنها ما زالت بكامل عافيتها ، وأنها قادرة على أن تمنحنا تلك الاضاءة الحضارية من جديد. ونتلذذ بطعم الثورات ، وهذا ما يجب ان ننتبه اليه ونعض عليه بالنواجذ.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور