نعلم أن الضيق المادي قد يدفع بالكثيرين الى اجتراح أساليب لتغطية مصاريف العائلة والابناء ، ونعلم أن دولاً كبرى تعيش في ضيق مالي ، وهي تسعى ليل نهار في اعداد السُبل التي تنقذها من انهيارت مالية متوقعة. لكن ما نعلمه هو هذه الاساليب الجديدة في فن التسول الذي صار علامة من علامات شوارعنا وأسوقنا.
فأنت وحينما تقودك سيارتك نحو أي تقاطع يكتظ بالسيارات وبشهقات الاشارات المرورية ، ترى شاباً تعادل قامته قامة الجمل ، ينحني حتى يصير رأسه بموازاة نافذة السيارة ويعرض عليك شراء علكة ، تحاول أن تتحاشاه ، لكنك وسط الحاحاته التوسلية تضطر الى أن تسأله بنوع من الرغبة في التخلص من الحاحاته ، كم ثمن العلكة؟ ، فيرد بسرعة كان قد تدرب عليها طويلاً: "الي بطلع من نفسك" ، وعندها تتأكد أنك وقعت في فخ تسولي ، وتنتابك رغبة أن تسأله عن سبب تسوله المقنّع هذا ، وعن سبب عدم انخراط هذه الجثة بالعمل ، لكنك تختصر كل هذا ، كي تعطيه ما جادت به نفسك.
وفي زحمة الاسواق لا تتفاجأ وأنت ترى رجلاً خمسينياً وهو يتقدم منك بوقار مدروس ، وهو يقول لك "هل أجد معك نصف دينار" ، وهنا تكون بين حالين ، الحال الاول هو أن تعتذر من الرجل وهذا سوف يضعك في مستواه التوسلي ، اذ لا يعقل وانت تمتلك كل هذا الوقار والاناقة وليس في جيبك نصف دينار ، والحال الثاني أن تعفي نفسك من كل هذه التوقعات وتنقده نصف الدينار وتستريح.
وفي زحمة الاسواق أيضاً قد تلاحظ شابا يطفح بالعافية ، قد يتقدم اليك طالباً منك شراء كتيب صغير فيه قصار السور القرآنية ، وهنا يكون عليك أن تحدد مستواك التديني وورعك ، وحين تسأله عن الثمن يقول لك العبارة التوسلية ذاتها "الي بطلع من نفسك".
أما حين تصعد لتأخذ مقعدك في الباص فالمرأة التي ترتدي عباءة سوداء ، سوف تقف منتصبة في وسط الباص وهي تلقي خطبة عصماء كانت قد تدربت عليها طويلاً ، وهي من تلك الخطب التي تستثير فيك قيم الرجولة والشهامة.
هذه بعض المشاهد التي نراها كل يوم ، وهي مشاهد احتيالية تعبر عن توسل مقنّع ، يحصل صاحبها على اموال كثيرة وبأقل جهد ممكن ، وتلكم هي الكارثة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور