يستفيد الإعلام المرئي من ظاهرة "تسونامي" الثورات العربية الطافحة هذه الأيام ، مثلما تستفيد قناة "الجزيرة" تحديداً من تجليات المفارقات التي ما أن تجمع في صور متتابعة ، حتى تجعل المشاهد وبسبب تكرار عرض هذه الصور يبتسم تلك الابتسامة السوداوية التي تدلل على مكان الجرح العربي الغائر في الروح.

فالصورة الأولى هي صورة الرئيس التونسي زين العابدين الذي يعلن فيها تمجيده للشعب التونسي ، ويتبعه الرئيس المخلوع حسني مبارك وهو يهتف "تحيا مصر" ومن ثم تحضر صورة العقيد معمر القذافي وهو يهتف هو الآخر"عاشت ليبيا ، وعاش الشعب الليبي". وهنا تقطف الصورة اعلامياً ثمرتها حيث يشعر المشاهد أن كل هؤلاء الطغاة قرأوا عند شيخ واحد.

والصور الأخرى التي تجعل جيلنا يصل الى حد ذرف الدمع ، هي تلك الصورة التي يظهر فيها الكهل التونسي ، وهو يخاطب جيل شباب الثورة التونسية وهو يمسّد على شعره الأشيب قائلاً بحرقة: "لقد هرمنا ونحن ننتظر هذا المشهد". والصورة الأخرى هي صورة ذاك الرجل التونسي الذي يهتف في شارع ليلي فارغ من المارة باسم تونس ، طالباً من الله حماية هذه الثورة.

وفي صور أخرى تعرض بشكل متلاحق يطل صوت الفتاة المصرية التي تقول وهي فرحة بانتصار الثورة المصرية ، وبمساحة الحرية التي حققتها لها هذه الثورة: "عاشت مصر عاشت قناة الجزيرة خلاص مش حنخاف تاني".

وفي الصورة التي ترصد تلك الاستطالة الشوارعية التي يعتصم فيها الحراك اليمني المعارض لـ علي عبد الله صالح ، يندهش المرء من اليافطات التي كتبت بخط ساذج مطالبة الرئيس اليمني بالرحيل ، ومن رغيف الخبز الذي يرفعه أحد المتظاهرين وقد كتب على الرغيف كلمة "ارحل".

ويزداد المشهد التظاهري "سوريالية" حينما نرى وجوه بعض الشباب وقد كتب على جبينها كلمة "ارحل" ، أو تلوين الوجوه بألوان العلم الوطني لهذه الدولة أو تلك. أو مشاهدة ذاك الأب الذي حمل ابنه على كتفيه وهو يعلمه فن الهتاف ضد الزعماء العرب.

والحال فإن ثقافة الصورة هذه الأيام تعيش مجدها الذي لا يتكرر كثيراً ، وأن هذه المشاهد التي ستختفي تدريجياً من المشهد ، ومن ثم ستقيم في منطقة الذاكرة العربية المجرّحة ، كي تضفي على روح العربي العديد من المفارقات الجارحة التي تؤثثها صور هذه الثورات.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور