ظلت صناديق الاقتراع العربية ترسو في عطاء شرائها على ذاك الرجل منفوخ الأوداج ، والعريض المنكبين ، وصاحب تلك الشركة العابرة للقارات. وظل هذا الرجل يفوز بعطاء صناديق الاقتراع ، ويقوم بعرض عينة من هذه الصناديق أمام الفضائيات العربية والأجنبية ، وظلت تلك الصناديق تأخذ شكلها الصارم والأنيق ، الذي يدل على أمانة الاقتراع. وظلّ هذا الرجل المحظوظ في قطف العطاء الخاص بصناديق الاقتراع يقدم خدماته المجانية في توزيع الصناديق الاقتراعية على كافة المدن والمحافظات ومواقع الانتخاب.

وفي الجانب الرسمي الذي يخص الدولة العربية كانت هناك همّة خاصة تتبعها وزارة الداخلية في تشكيل اللجان الانتخابية ، الذين سوف يتناوبون في حراسة صناديق الاقتراع ، وفي رسم خطة التزوير الانتخابي بطريقة يعجز عنها الشيطان نفسه.

وفي الجانب الآخر لم تتوان الدولة العربية وهي الماهرة تاريخياً في "التخويث" الدولي من أن تقدم الدعوة لجهات دولية كي تأخذ صفة المراقب على الانتخابات وعلى صناديق الاقتراع.

هذه المرة اختلف الأمر تماماً. وأنا هنا أتحدث عن صندوق الاقتراع الخاص بتعديل بعض الفقرات في الدستور المصري ، التي جرت أمس الاول. هذه المرة كان الصندوق بمنتهى العادية ، ولم يتم استعراضه المسبق امام الفضائيات ، لا بل حينما حدث النقص بالصناديق استعانوا ببعض "الكراتين" وحولوها الى صناديق اقتراع.

هذه المرة أبتعد المرشح عن الشخصنة ، فهو لم يكن من الباشاوات الذين ظلوا تاريخياً يتشبثون بأذيال الاقطاع المنقرض ، ولا من العائلات التي ورّم حضورها الانفتاح ، ولا من الازلام اصحاب الارقام الفلكية في جمع الاموال من الفساد والسطو على المال العام ، ولا هو من الاشخاص الذين يستعينون في كل اقتراع انتخابي على القبضايات والبلطجية ، ولا هو من الاشخاص الذين يدفعون تلك الورقة النقدية التي تجعل لعاب الناخب يسيل كي يبيع ضميره للحصول عليها ، لينتخب الأسوأ.

هذه المرة لم تستنفر أجهزة وزارة الداخلية المصرية كعادتها العربية في كل انتخابات ولم تعمل على احضار المراقبين الدوليين كي يؤكدوا على نزاهة الاقتراع.

هذه المرة كان المقترع عليه هو تعديل بعض البنود في الدستور المصري الجديد ، ولهذا حضرت الجماهير بنسب عالية للاقتراع ، ولهذا ايضاً حضرت بعض الاصوات التي تدلي بصوتها الاقتراعي لاول مرة ، ولهذا كانت نتيجة الفوز بنسبة %77 ، وكان هناك في المقابل اربعة ملايين قالوا.. لا.

فهل يمكن بعد هذه التجربة النقية ونحن نتصايح عربياً ونسير في المظاهرات من أجل حل المجالس النيابية العربية ، أن نبتعد حين ننتخب نوابنا عن الشخصنة ، وعن كل المرجعيات المتخلفة اجتماعياً ، ونتعامل مع المرشح باعتباره أحد بنود التعديلات الدستورية؟.


المراجع

جريدة الدستور

التصانيف

صحافة  خليل قنديل   جريدة الدستور