هكذا فجأة لم تعد البيوت تتسع لقاطنيها، وصار الاصرار المنزلي للعائلة في الاقامة البيتية، وتفقد الاحوال العادية للبيت والزوجة والابناء، حالة لها علاقة بالخيانة والجبن.
هكذا ومنذ تلك اللحظة التي قام فيها الفتى التونسي بحرق جسده اعتراضاً على حجز عربة الخضار الخاصة به، صار الشارع يمتلك مغنطة خاصة في جذب الناس اليه، للقيام بالمظاهرات والاعتراضات، وفك ازرار القمصان الشبابية استعداداً لطلقة مطاطية أو لاستقبال طلقة من الرصاص الحي، ومواجهات الصلف الخاص بقوات الأمن العربية.
هكذا فجأة أصبح للشوارع التي كانت عادية جداً وهي تضم خطوات الناس والعشاق، هذه القدرة السحرية على الاقتناع بنصب الخيمة واستدعاء المايكروفون وتبادل الخطب التي تقشعر لها الأبدان الشبابية، وتحرك في أعماقهم هذه الجذوة التي صارت تهتف «أن الشعب يريد اسقاط الرئيس».
هكذا فجأة تحولت العواصم العربية التي كنّا نعتقد جازمين انها دخلت في الموت الاكلينكي والى حالة من الاستلاب وفقدان الروح، الى حالة من التأجج الثوري، الذي يقلب الطاولة ومقاعدها، القادر على اقتياد أفق العاصمة العربية من ياقته كي يرسم كل هذا الوعد بالتغيير.
هكذا وبعد أن أدمنا على الجلوس العائلي المواظب امام التلفاز لمشاهدة حلقات المسلسل الدرامي العربي الساذج، صرنا نذهب خلف الفضائيات التي تتناسل فوق شاشاتها الاخبار العاجلة، وصرنا نتتبع اخبار الاعتصامات في الشوارع والميادين العربية وهذا الاصرار الشبابي على تحقيق العدالة.
هكذا فجأة فجأة صرنا نرى الرئيس العربي الذي حكم بلاده بالحديد والنار كيف يهرول نحو أول طائرة مغادرة, وهو يجوب الاجواء لمدة عشر ساعات بحثاً عن دولة تستقبله، وهكذا فجأة صار الرئيس الذي تعنت كثيراً امام الجماهير الشبابية التي احتشدت في ميدان التحرير، رافضاً التنحي، يعلن بالفم الملآن قراره بالتنحي، وهكذا يستبسل عقيد ليبيا باستدعاء المرتزقة وتجييش كل القوى المأجورة، ويقوم بقصف ابناء شعبه بأثقل الاسلحة، كي يحمي عرشه الكوميدي، تاركاً الجغرافيا الليبية متاحة لكل القوى الدولية. وهكذا يرى المواطن العربي الرئيس اليمني وهو يقدم المبادرة تلو المبادرة لجماهير ساحة التغيير علّ هذه الجماهير تؤجل تنحيه لبضعة أشهر لكنه يفشل.
هكذا فجأة كبرت كرة الثلج التي تدحرجت في غير عاصمة عربية، وصارت الجماهير تغادر بيوتها كي تقيم في الشوارع والميادين لترسم وجه المستقبل القادم، بلا وجل أو خوف. ليكون الشعب العربي على موعد مع تلك الحرية التي غابت عنه كثيراً.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور