سأبدأ بتغيير جدولي اليومي اعتباراً من هذا الصباح، وسأحاول أن أعفي رأسي قليلاً من هذه الضجة الاخبارية التي حولتني ومنذ ثورة الشباب المصريين في 25 يناير الى كائن اخباري، وريده الذي يضخ الدم يرتبط ارتباطاً مباشراً بكل ما تضخه الفضائيات من أخبار.
نعم يجب أن أُنقذ نفسي من كل هذه الامواج الكهرومغناطيسية التي باتت تأسر رأسي تماماً، لتمنحه كل هذا الطنين. نعم عليّ أن أكف عن هذا الاستنفار البيتي الذي وضعني ومنذ ذاك التاريخ الشبابي المصري أتسول الخبر العاجل على الفضائيات، وأهرس روحي بانتظار الانتصار.
نعم عليّ أن أكف عن متابعة أخبار الحراك الشبابي المصري، وعن ذاك التوازن النادر بين شهية الجماهير في اقتلاع النظام من جذوره وبين هذا الاتزان في القيادة العسكرية المصرية التي أكدت أن الجيش المصري هو الابن الشرعي للشعب المصري، وأن التراكم الحضاري في تاريخ مصر لا يسمح أن يكون الجيش المصري في يد الزعيم القائد.
نعم عليّ أن أكف قليلاً عن متابعة أخبار الثورة التونسية وذاك التناوب في التعديلات الوزارية في الحكومة المؤقتة، وعليّ أن أطرد تلك القشعريرة التي كانت تنتشر على سطح جلدي وأنا أراقب تلك النخوة الشبابية التونسية وهي تتناوب في انقاذ العالقين على الحدود التونسية الليبية.
نعم، عليّ أن أكف عن متابعة التطورات اليومية في اليمن السعيد وانقسامي بين ساحتين واحدة تطالب بالتغيير والرحيل، والأخرى تتشبث ببقاء الرئيس، وعليّ أن أُريح ناظري من مشهد السواعد اليمنية النحيلة والاصوات وهي تهتف برحيل الرئيس.
نعم، عليّ أن أكف عن متابعة ثوار ليبيا، وأن أكف عن مراقبة تلك المسحة الصوفية الغامضة التي تغلف ملامح الثوار الليبيين، وعليّ أن أكف عن هذه المتابعة الجغرافية لكتائب القذافي واندحاراتهم المتتالية ليل نهار. ومتابعة قسوة حضور قوات الناتو في سماء ليبيا مقابل انتصار رجال الثورة العُزل الا من الدعاء والسلاح البسيط.
نعم، عليّ أن أتوقف قليلاً عن الاستماع لنشرات الأخبار، فالمرأة الليبية التي اقتحمت مكان الصحفيين في أحد الفنادق، وهي حاسرة الرأس كي تفجر فضيحة اغتصابها من قبل رجال كتائب القذافي أصابتني بصدمة لا يدرك قوة ارتطامها في الروح الا العربي.
نعم، سأعفي نفس هذا الصباح من اعادة انتاج مشهد تلك المرأة وهي تغتصب، كي لا تتضرر روحي الى ذاك الحد الموجع.
نعم، سأفعلها هذا الصباح واغلق نابض التلفاز وسأذهب باتجاه الأسواق، وربما أفترش أحد أرصفة "سقف السيل" تاركاً عيني المرتعشة تحدق بالأفق بانتظار فتنة الكارثة.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور