أخبار الثامنة في التلفزيون الاردني من المواعيد المهمة عند الكثير من الناس لأن الاخبار تحمل القضايا المحلية, وحتى قبل الفضائيات فهذا موعد كان مهما للناس, وحتى السهرات والتعاليل في كثير من القرى والمدن فانها تكون  قبل او بعد الاخبار.
لكن أخبار الثامنة في الاردن لها بعد سياسي تاريخي, قبل ظهور الاخبار العاجلة والنشرات الاخرى ومتابعة الفضائيات وغيرها, وحتى الدولة كانت "تحوش" الخبر الدسم او الخطاب المهم الى اخبار الثامنة لانها تعلم ان هناك مشاهدة ومتابعة, لكن اخبار الثامنة لها قيمة سياسية من نوع آخر وربما أصبح يضاف اليها مواعيد اخرى اليوم لكن العبرة في العنوان.
هنالك تعليق طريف لكنه عميق يقول "الحمدلله ان لدينا اخبار الثامنة" والعبرة في المضمون لان هذه النشرة بشكلها التقليدي تصدر فيها الارادة الملكية بالإقالة او قبول الاستقالة والتعيين والتغيير, والحكاية هنا ليست خاصة بالاشخاص بل بالفكرة السياسية, فقد كنا نرى ان كثرة التغييرات في الحكومات والمواقع سمة سلبية في الحياة العامة والسياسية الاردنية, وهذا الامر سليم وصحيح في جانب, لكنّ له جانبا خر وهو ان اخبار الثامنة او قرارات التغيير تفقد كل صاحب موقع او حكومة القدرة على ان يعتقد انه قادر على الذهاب بعيدا في الخطأ, وتجعله دائم  القلق من الاقتلاع والعودة الى بيته, فلو كان حالنا مثل دول اخرى حيث يبقى رئيس الوزراء او الوزير أعواما طويلة وطويلة فاذا كان صاحب اداء رديء او مارس الاخطاء او بنى سلسلة مصالح او مارس ظلما بحق اي فئة او جهة او انسان فانه يكون عصيا على العقاب الا اذا قرر الانتحار بمسدس يضعه في رأسه!! , لكن كما ان سرعة التغيير في بلادنا تلحق ضررا بالمسؤول الجاد الراغب بالعمل فانها ايضا مفيدة لكونها تقطع دابر من يصل به الوهم أنه الحاكم بأمره في الحكومة او وزارتها وانه قادر على بناء ما يعتقد انه يخدمه ويعززنفوذه الشخصي.
واحيانا يصل الوهم بالبعض ان يعتقد انه لن يغادر مكانه وكأنه جزء من تركة ابائه واجداده لكن اخبار الثامنة تعيد للبعض الوعي بحجمه وقدراته, وايضا تقدم لكل من اصابه اذى من مسؤول رد اعتبار ولو شكلي وترفع عن البلاد والعباد ولو مؤقتا اداء رديئا او ممارسات لا تليق بمن تمنحهم الدولة السلطة ليخدموا بها الناس لا لتسري فيهم روح الذات والتعامل وكأن الموقع والدولة جاءا لخدمتهم وان على الناس ان تصلي لله تعالى صباحا ومساء صلاة الشكر لان فلان او علان في موقع المسؤولية.
والمفارقة ان الكثيرين بعد ان يتغير مسار حياتهم بعد نشرة الاخبار ويخرجون ليكونوا مثلنا من عامة الشعب تهبط عليهم كل انواع الحكمة ويتحدثون عما يجب فعله مع انهم وهم في مواقعهم يحس احدهم انه سيغادر موقعه فقط الى الدار الاخرة ويتعامل مع قضايا الناس ومع احوال مؤسسته باعتباره هو من اخترعها او انشأها, ولا يمانع ان يسمع نفاقا بان الامور قبله كانت خرابا ودمارا ولا يتردد بان يفعل كل ما يتنافى مع ادنى قواعد المؤسسية, واحيانا يمارس تجاوزا لكل اراء الناس على قاعدة "خليهم يحكوا" لكنه ينسى انه سيغادر موقعه بعد حين وانه قد يكتوي بمزاجية مسؤول او ظلم وعدم انصاف وتعامل لا يختلف عما كان يتعامل به مع الآخرين عندما نسي ان هناك اخبارا في الساعة الثامنة.
نحمد الله تعالى اننا لسنا مثل دول اخرى يمكث فيها المسؤول سنوات بعد سنوات وتذهب اجيال والمسؤول ثابت بكل ممارساته وضعف ادائه, وهذا وان كان سلبيا على من يعملون بشكل ايجابي وسليم الا انه دواء شاف لمن ينسى نفسه ويتعامل وكأنه اول من دخل هذا المكان وآخر من سيغادره.

المراجع

الموسوعة الرقمية العربية

التصانيف

جريدة الغد   صحافة  سميح المعايطة