من التركات الموجعة للحكم العثماني في المنطقة العربية، هي تلك النظرة التي ينظر من خلالها المواطن العربي الى الدولة العربية القائمة على اعتبار انها دولة ريعية تقوم أساساً على نهب جيب المواطن العربي، وربما على هذا الاساس الكيدي في هذه العلاقة ظلّ المواطن العربي يعاني من مظاهر هذه الحالة المرضية في العلاقة، ويقوم بالتعامل مع كل المرافق العامة والاموال الخاصة بالدولة على اعتبار انها قابلة للنهب.
ولقد كشفت زيارة وزير الصحة الدكتور ياسين الحسبان أمس الاول الى محافظة اربد، في الخبر الذي نشرته «الدستور» عن موظف في وزارة الصحة يقبض راتبه بشكل شهري من الوزارة منذ خمس سنوات، لكنه لا يحضر لمكان عمله الا مرّة في الشهر وذلك بهدف استلام راتبه الشهري.
وهذا يعني أن التورم الوظيفي الذي نراه في بعض الوزارات والبلديات يعبر عن اعداد هائلة من الموظفين يتعاملون مع وظائفهم على اعتبار انها انتساب جامعي، وهذا يعني اننا بحاجة الى ان تقوم لجنة مكافحة الفساد بالتدقيق في هذه الظاهرة التي لا تعبر الا عن رغبة دفينة عند بعض المواطنين في الاستمتاع بفكرة نهب الاموال العامة. وان هذا النوع من الموظفين هو الوريث الحقيقي لتلك العلاقة العثمانية الكيدية بين الدولة والمواطن.
ان جهازاً وظيفياً للدولة يقوم في بعض مناحيه على تبويس اللحى وجبر الخواطر في سبيل أن يجلس المواطن في بيته ولا يحضر لدائرته الوظيفية الا عند استلام الراتب هي كارثة حضارية بامتياز.
وأنا لا أدري كيف لا نصاب بالغيرة الحضارية من الغرب، ومن تلك العجوز الهولندية التي كانت تجلس في احدى الحدائق العامة في العاصمة الهولندية ورأت رجلاً، يقطف الأزهار ويشتمها ومن ثم يلقي بها على الأرض ويهرسها بقدميه بعفوية موجعة، فما كان منها الا ان ندهت على ذاك الرجل وسألته «من أي بلاد أنت» فاختصر الرجل اجابته بالقول «أنا عربي»، فردت عليه العجوز بسرعة «هل تقومون في بلادكم برمي النفط في الشوارع» فرد الرجل «لا»، وهنا نهرته العجوز قائلة :»نحن في هولندا نفطنا هي هذه الزهور التي تدوسها وتهرسها بقدميك».
فما كان من الرجل الا أن أعطى قفاه لتلك العجوز وأخذ يهرول خارج الحديقة.
فما رأيكم طال عمركم في الفرق بين غيرة العجوز الهولندية على وطنها وغيرة بعض موظفينا على وطنهم؟؟ سؤال؟
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور