قبل ان يأتي اوباما الى الحكم كان يدرك جيدا ان مشكلة الإدارة الاميركية مع العالمين العربي والاسلامي وشعوبهما تتلخص في ثلاث قضايا, القضية الفلسطينية, والاحتلال الاميركي للعراق وموقف اميركا من الاسلام، وبخاصة ان ادارة بوش لم تصدر مواقف سياسية عدائية للعرب والمسلمين من منطلق سياسي بل من معسكر فكري وعقائدي مثله تيار المحافظين الجدد والمسيحية المتصهينة.
ويعلم اوباما، وكل الموضوعيين في اميركا، ان ادارة بوش فعلت الكثير عمليا لتدمير صورة اميركا في العالم العربي والاسلامي, وأن واشنطن انتقلت من منطقة التحالف مع اسرائيل الى مكانة الطرف المحتل بعد احتلال العراق وبعد تزايد اشكال التحالف مع اسرائيل, وأن العداء للسياسات الاميركية في تزايد رغم كل حملات العلاقات العامة وإنشاء وسائل اعلام لتدافع عن هذه الادارة ومواقفها.
وكان واضحا ان اوباما يحاول منذ اليوم الاول ان يصلح ما افسده دهر طويل من سياسات بلاده, لهذا بادر لإعلان مواقف تتحدث عن حل للصراع الفلسطيني الاسرائيلي ووضع موعد لانسحاب من العراق, وبدأ يتحدث عن الاسلام والمسلمين بشكل ايجابي حتى وصل الى خطاب امس في القاهرة, وكل هذا هدفه الأساسي إنقاذ صورة اميركا.
ورغم ان صوت شكوى العرب والمسلمين عالٍ بحكم ما عاشوه من ظلم تاريخي من السياسات الدولية الا ان مطالبهم محدودة ومتواضعة, فالعرب حتى من يرفضون اليوم التسوية يريدون دولة فلسطينية حقيقية على ارض فلسطين, ويريدون خروج الاحتلال الاميركي من العراق ويريدون مواقف اميركية معقولة تجاه قضاياهم, وايضا احتراما للإسلام وعدم خوض اميركا لأي صراع على اساس ديني مثلما وصف بوش حروب جيوشه بأنها حرب صليبية جديدة.
مطالب متواضعة تدرك ان اميركا لن تشهد انقلابا, وتدرك ان اوباما ليس رسول الانقاذ للبشرية بل رئيس اميركا, وتعلم جيدا ان السياسة الاميركية لا تصنعها مشاعر اوباما بل هناك مؤسسات ولوبي صهيوني فاعل ومؤثر ومصالح لأميركا مع اسرائيل لكن لها ايضا مصالح مع العرب.
لكن المشكلة ان النظام الرسمي العربي والإسلامي لا يريد ان يتحرك جيدا, وينتظر من اوباما ان يكون منحازا لقضايا الامة وهم سكوت, من دون ان يمارسوا ما يجعل اميركا تدرك ان لها مصالح حقيقية مع العرب والمسلمين تتطلب منها سياسات متوازنة.
امس ومن القاهرة قدم اوباما موقفا اميركيا وشخصيا من عدد من القضايا, وعبر قصف مركز مستعينا بكل الافكار والنصوص حاول ان يعبر عن موقف ايجابي من الاسلام والحضارة الاسلامية وربما يكون حقق نوعا من النجاح في هذا الجانب لشخصه وللقضية التي ارادها لكنه يحارب على جبهة صنعتها سياسة الإدارة السابقة ويحتاج الى جهد كبير ليؤكد عمليا انه مختلف عمن سبقه.
وقد سمع الناس موقفه من الدولة الفلسطينية وتأكيده على ضرورة إقامتها, لكن القضايا الصعبة وهي محصلة عقود من الظلم الدولي والاحتلال الصهيوني تحتاج اكثر من الحديث, ولعل اوباما يجد امامه موقفا عربيا يخدمه, فالجميع ممانعين ومعتدلين يريدون حالة تفاوض، لكن عدو اوباما الحقيقي هو حكومة نتنياهو وهي التي ستفقده مصداقيته النسبية وتفشل شعاراته الخاصة بالدولة الفلسطينية لأنها من تقف حجر عثرة بل وتمارس شعارات ومسارات مناقضة عبر الحديث عن يهودية الدولة وغيرها.
استمعنا جميعا الى خطاب الرئيس الأميركي لكن الشعوب العربية والاسلامية تحتاج على الاقل ان تجد العراق محررا من الاحتلال, وان تجد للفلسطيني دولة مستقلة وحقيقية, فأوباما ليس امين عام الجامعة العربية وليس صلاح الدين, ولهذا إن حقق هذين الأمرين فإنه يقدم شيئا لصورة اميركا وإلا فسيكون عامل هدم لما تبقى من صورة في الشارع العربي والإسلامي.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية