هنالك قيمة خاصة عند الأسوياء والطبيعيين للأب والأم في الحياة، فأنت اذا فقدت احدهما بسبب الموت تشعر في احيان كثيرة بالغيرة من شاب يوقر أباه او يبر امه، واذا دخلت مكانا ووجدت شخصا أكرمه الله ببقاء والده حيا واستثمر هذه النعمة بالتعامل الكريم فإنك تشعر ان الله فضل هذا الشخص وأعطاه كنزا من الخير، ولعلي هنا اذكر ما يرويه البعض من اثر كريم بأن الملائكة تحزن على الإنسان اذا فقد أباه او أمه لأن غيابهما او غياب احدهما يغلق الباب امام كنز لا ينضب من الأجر والثواب ورضا الله تعالى لمن يحسن إكرامهما وبرهما.
والحزن يكون مضاعفا في أي مجتمع اذا فقد قيمة بر الوالدين وانتقل البعض ولو كان قليلا الى تعامل لا يمسه في خلقه ودينه فحسب، بل يمس هوية المجتمع الاخلاقية، ولهذا تكون المأساة حقيقية اذا شاهدت او سمعت عن آباء وأمهات لا يجدون مكانا يقضون فيه الشيخوخة ويكون خيارهم اما دار المسنين او حياة بائسة في غرفة لا تليق بينما القدرة لدى الأبناء على إكرامهما حاضرة.
والإكرام هنا على قدر الاستطاعة المادية، لكنه في الحد الاقصى من القدرة الاخلاقية وحق الأب والأم في ان يجد بعض الحنان والتضحية التي قدماها لأولادهما يوم ان كان الاب قادرا والأم حاضرة والابن او البنت عاجزين حتى عن خدمة انفسهما.
في المجتمع خير كثير ومسار يستحق الفخر به، لكن الأسى ليس مرتبطا بحجم المشكلة بل بوجودها، لأن الاب او الام اذا وصل الى مرحلة متقدمة من العمر والامراض ينتابه قلق حقيقي على شيخوخته وحياته القادمة، قلق وخوف من ان يكون على آخر اولويات الاولاد، وأن يكون في نظرهم عبئا وليس قيمة ومكانة، وقلق من زمن غادر وضعف جائر قد يجعل احد الوالدين عاجز عن خدمة نفسه، وربما جزء من القلق ان يكون تقييمه عند الابناء بمقدار ما يملك ولهذا يعتقد ان وجود ما يدخره قد يكون كفيلا بمقاومة ضعف الخلق وغياب القيم ليكون الطمع مدخلا وسببا لبر حتى وان كان شكليا.
عندما جعل الله العلاقات بين الناس فإنه زرع فطرة تجعل الابن، او البنت، يحصل على ما يحتاجه من العطف والرعاية سواء كان جميلا ام قبيح الشكل وسواء كان سليما ام عليلا، لكن الابناء لا تحركهم الفطرة بل الخلق والدين والقيم الاجتماعية، لهذا كانت النصوص الدينية كثيرة ومهمة في الحض على بر الوالدين.
في المجتمعات العديد من القصص والحكايات التي تشعر معها انك لا تتحدث عن مجتمع عربي او مسلم، وكما ان العالم متحمس لحقوق الطفل وحق المرأة في العمل ومقاومة العنف الاسري فإن الحماس الكبير يجب ان يكون ايضا لمحاربة عقوق الوالدين. فالقضية ليست مكانا ينام فيه الاب او الام في ملجأ مسنين بل حالة رعاية وحنان ومكانة يجب ان يشعر بها الوالدان بعد مسيرة عمر من الكفاح والعطاء، فالأب والأم يمكنهما احيانا ان يتدبرا رغيف الخبز وحبة الدواء لكنهما لا يمكن ان يتسولا رعاية واحتراما وهيبة وتوقيرا يقدمها ابن بار او بنت حنون او اجواء اسرية دافئة لا تقل عن الدفء الذي وفره الوالدان لأبنائهما يوم ان كانوا كتلا من البراءة والعجز.
عندما تفقد أباك او امك وتجد من بقي هذا الكنز في حياتهما تتمنى لو ان من فقدته يعيش معك وقريب منك ليس فقط لأنه كنز من كنوز الآخرة بل لأن الحياة مع من تفقده هي الحياة الكاملة حتى وإن كنت في مرحلة متقدمة من العمر، لأن غياب الوالدين يفقد الحياة نصابها الكامل.
المراجع
الموسوعة الرقمية العربية
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية