ما كتبه د. فهد الفانك، وعقب عليه بعض الزملاء، حول الإدارة الاردنية، وما تم التعامل به من جهات عديدة في اللجوء إلى شركات خاصة للإدارة بمثابة موضوع مهم للغاية، ليس من جانب اقتصادي، بل من الناحية السياسية أيضاً.
المشكلة يجب أن تعالج بمراجعة وتغيير النهج الذي يتعامل مع الإدارة العامة والقطاع العام وكأنه جسد ميت، او كأنه جمعية خيرية لإعطاء الناس الرواتب.
وعلينا أن نعترف، بصراحة، أن مجموعات أفرزت عقلية تصغير مكانة الإدارة الأردنية لدوافع سياسية، وتعزيزاً لنهج تراه في تقزيم أدوات الدولة وإشاعة أجواء من عدم الثقة بكل جهة حكومية او عامة. وهذا النهج لم يكن بريئا، ولم يكن معنيا بالقطاع الخاص بقدر ما كان يعمل وفق اجندة سياسية واضحة.
علينا أن نعترف، أيضاً، أن هناك أطرافاً مارست إضعافا لمكانة الإدارة العامة، لأن هذا يفتح لها ابواب الصفقات والتنفيع المالي وتشغيل اصدقاء او الحصول على عمولات، فكان أحد أساسيات إدارة أي قضية استدعاء شركات اجنبية او خاصة لإدارة أمور عامة بعقود وتكاليف كبيرة، والمبرر الحرص على حسن التنفيذ، مع ان هناك جهات رسمية لديها القدرة الفنية والالتزام أكبر بكثير من الشركات المستوردة، وأصبح هذا نهجا دائما في كل شيء.
حتى بعض التشريعات كانت تحال إلى مكاتب خاصة، وكانت تأتي تشريعات ضعيفة او مترجمة بطريقة غير مهنية، وكانت الجهات الرسمية في الدولة تقوم بتصحيح كل الثغرات، كان هذا يتم مع ان لدينا ديوان تشريع فيه خبرات كبيرة، ولدينا وزارة عدل بكوادر، ولدينا حكومة ومجلس امة، لكنه النهج الذي جعلنا نحيل كل شيء إلى شركة خاصة، والهدف الكبير هو اشاعة اجواء من عدم الثقة بالقطاع العام أو ما يحمل هوية الدولة الأردنية!
يجب أن يزول ذلك النهج، الذي جعلنا نسمع ونرى حكوماتنا تعجز عن إدارة مهرجان معظمه طرب ورقص فتأتي بشركة خارجية لإدارته.
وهو النهج ذاته الذي جعلنا نشاهد احتفالات وطنية تقوم شركات اجنبية بإدارة البث التلفزيوني لها او ترتيب فقراتها او حتى ادارة اصغر تفاصيلها! وعندما نشاهد المخرجات نجد ان فيها من الثغرات والعيوب الكثير، وحتى لو كنا نرى في التلفزيون الاردني عاجزا عن الفعل فهل الأولى أن نطور قدراته وندعمه بالأجهزة أم نحوله إلى "مراقب" لعمل شركات اجنبية!
الأمر ليس نهاية الادارة الاردنية، بل عجز عن مقاومة نهج تحركه إما دوافع سياسية هدفها إضعاف الثقة بكل ماهو محلي وعام واردني او غايات البزنس والمصالح.
الحل يكون في سد الثغرات في الإدارة العامة وإعادة الدور الكبير لها في العمل. فمشروع الديسي الذي وصل الى مرحلة وجود الانابيب على شارع المطار كان يمكن منذ سنوات أن يقوم به القطاع العام، إما في القوات المسلحة او الحكومة، وذلك من خلال إنجاز خطوات كبيرة على طريق إنشاء بنيته التحتية من دون ان نضيع سنوات ونحن لم نبدأ بعد!
إنها عقلية يجب أن نتخلص منها كنهج، وهذا لا يتعارض مع نهج الدولة في الخصخصة، لكن ما يجري لاعلاقة له بالخصخصة بقدر ما هو طريقة تفكير جعلتنا نرى أصغر الامور تديرها شركات قطاع خاص.
الإدارة الأردنية تكتظ بالخبرات والأهم من ذلك الإخلاص والانتماء، لكن المشكلة في الإدارة العليا من حكومات وغيرها، لأن استمرار نهج إضعاف ما هو أردني نهج خطير سياسيا واقتصاديا، ونقيض لكل ما يقال عن إصلاح إداري.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة