ربما صادف بعضنا أشخاصا في فصل الشتاء أو الصيف يلبسون ملابس لافتة ليس لأنها جميلة بل لكونها غير مفهومة، فتجده يلبس "بلوزة" من الصوف فوقها ملابس رياضية عليها اسم ناد عالمي واسم لاعب شهير وفوقها جاكيت وفوقها ما نسميه في العامية "كبوت" شتوي وعلى رأسه شماغ او طاقية وحذاء ثقيل من دون ان يلبس "جرابات". وقد تجده يحمل مظلة تقيه من الشمس حتى وإن كان يجلس بعيدا عنها.
مثل هذا الشخص قد نجده أمامنا فننظر إليه لحظات ونمشي معتقدين ان هنالك شيئا دفعه لهذا، لكننا نرى ذات المشهد لكن على شكل طبقات من الهيئات والوزارات والمجالس والمؤسسات، وأحيانا تضيع سنوات ونحن نبحث عن معادلة للعلاقة بين كل هذا الكم من المواقع والجهات، لكنها طبقات بعضها فوق بعض، وأحيانا نخترع الجهة ثم نبحث لها عن أدوار حقيقية، لأن ما يكتب في الاوراق من مبررات وأوصاف قد لا يجد له تطبيقا او يتعارض مع ما هو قائم. آخر الجهات التي خرجت كانت المجلس الاقتصادي الاجتماعي والتي تمثل حالة استنساخ عن نموذج غربي، لكن عندهم مسار المؤسسات وأدوارها مختلف، فالمجلس هو بمثابة خلية تفكير تتبع لوزارة وليست جسما مستقلا كبيرا، لأننا نعتقد احيانا ان دور اي جهة إما يجعلها تتبع لرئيس الحكومة او نسميها لجنة ملكية، لكن الدور الحقيقي هو بمثابة قدرتها على الفعل وقدرة المسؤول التنفيذي على الاستفادة من أفكارها، وحتى هذا الجسم فقد غرق في ايامه الاولى عندما عجزت الحكومة باحتراف حتى عن الخروج بتشكيلة مقنعة وبلا مشاكل، وظهر بوضوح ان الامر ليس تشكيل خلية تفكير وطنية تقدم الرأي والدراسات للحكومة بل هي مناصب شرفية، لهذا تسابق كل صاحب نفوذ لـ"تزبيط" المحسوبين عليه، ومنذ اللحظات الاولى فقد المجلس فكرته وتحول الى ما يشبه كل مجالس الإدارة التي يتم تشكيلها لغايات المكافآت ومنح فرص لمن لم تسعفهم الواسطات في اماكن اخرى.
القضية ليست خاصة بالمجلس الأخير، لكنه المثال الذي ما يزال حاضرا، لكن من يتتبع ما طرأ على اجهزة الدولة خلال السنوات الماضية يلاحظ تراكم طبقات الادارات التي جاءت نقيضا لما يقوله اهل الاصلاح الاداري من رشاقة الجهاز الحكومي، فلا تمر فترة الا ونخترع هيئات لتنظيم قطاعات او هيئات لإدارة مشاريع او مؤسسات مستقلة ثم نفصلها عن الجهاز الحكومي ونتبعها لرئيس الوزراء؛ اي نخرجها من صلاحيات الوزارات ونصنع ما يصنعه صاحب الملابس حيث يضع طبقة فوق طبقة وقطعة فوق قطعة من دون ان نلتفت الى ان المشهد الكلي للإدارة الحكومية اصبح مثل بعض اللوحات الفنية لا تعرف من أين تبدأ وكيف تنتهي وما هو المقصود منها.
والمشكلة ان معظم ما نخترعه هو في الشأن الاقتصادي والاجتماعي لحل مشكلات الفقر والبطالة، لكن على سبيل المثال اين هي هيئة التكافل؟ وما الجديد في هيئة المناطق التنموية رغم ان هذه المناطق تتعرض لصدمات نتيجة الظروف العالمية واشياء اخرى؟ وهل تعجز وزارة الصناعة أو العمل عن إدارة هذه المناطق التنموية، ام ان الامور لا تستقيم الا اذا صنعنا مواقع وكادرا وظيفيا ضخما ورواتب لا يحلم بها موظف الحكومة ومواقع تعطى وفق الاسس التي نعلمها؟
من النقل نجد هيئة التنظيم التي لم تعد مسؤولة عن النقل في عمان الكبرى ونجد وزارة النقل ونجد الجهة المسؤولة في امانة عمان ونجد هيئات للنقل الجوي والبحري، فما هو دور الوزارة اذا لم تستطع ادارة النقل في المحافظات ومشاكله لا تنتهي، حتى اصغر مشكلة وهي تحديد الاجور؟
نحتاج الى مراجعة شاملة حتى نزيل الطبقات المتراكمة وحتى نحقق رشاقة حقيقية وإصلاحا إداريا حقيقيا.
المراجع
almadenahnews.com
التصانيف
صحافة جريدة الغد سميح المعايطة العلوم الاجتماعية