اريئيل في الأصل التوارتي اليهودي المزعـوم؛ المكان أو القريـة التي اتخذ منها داود مقراً له، واريئيل هو الاسم الأول للزعيـم الإسرائيلي المشبع حد التخمـة بالأيديولوجية الصهيونية وبحلم التوسع والاستيطان والرئيس الحادي عشر للحكومة الإسرائيلية، واريئيـل هي ثاني أكبر مستوطنـة إسرائيلية في أراضي الضفـة الغربيـة بعد مستوطنة معاليه أدوميم، واريئيـل جامعـة إسرائيلية جديدة ستدشن فوق بقايا البيوت الفلسطينيـة في واقعـة تؤكد تعنت الفكر الاستيطاني الصهيوني واستمراريته، وفي اريئيل ذاتها يقرر وزير الدفاع الإسرائيلي شاؤول موفاز خطـة تقضي بناء ألفي وحدة سكنية في هذه المستوطنـة، وحول مستوطنة اريئيـل ترسم المخططات الإسرائيلية وتنفذ لضم هذه الأراضي الفلسطينيـة داخل جدار العزل العنصري، في المقابل تطلق إسرائيل اسم "اريئيل" على مجلة الفنون والآداب الاسرائيلية التي تصدرها وزارة الخارجية وتنتشر باللغات الإنجليزية والفرنسية والألمانية والروسيـة والأسبانية والعربية، وتوزعها على بعض المثقفين والكتاب في العواصم العربية.
قصـة "اريئيـل" التي ترددها وسائل الإعلام هذه الأيام، وبكل مضامينها الدعائيـة، أحد الأمثلة الحيـة على تطرف الدولـة الأيديولوجية الحاكمـة في إسرائيل، واستمرارها في معاندة حركـة التاريخ ومناخ التغيير الذي يجتاح العالم، وتثبت حجم التغيير الذي نال العرب ونال العالم أيضا مقابل العناد الذي يمارسه هذا الكيان الأيديولوجي، وعدم رغبته في التنازل عن خياله الديني، حيث تتعاظم فكرة الاستيطان والتوسع وفق مؤشر الزمن وحركـة المجتمع والدولة في إسرائيل، مما يعني بكل بساطـة أن تعـود ملفات التسويـة والصراع داخل الشرق الأوسط وربما الصراع حول الشرق الأوسط إلى المربع الأول، فالأحداث التي تمر اليوم ولا تشكل اكثر من استهلاك إعلامي دولي لا تؤسس لنوايا سلام أو تسوية حتى مرحليـة، ولعل الرئيس الفلسطيني بات يستشعر ذلك حينما كشف عن مخاوفه أن تكون غزة أولاً وأخيراً الهدف والمخطط الإسرائيلي النهائي.
الهدف الإسرائيلي من إنشاء جامعـة اريئيـل كما هو واضح يأتي في سياق هجمـة استيطانيـة جديدة تؤسس للمستقبل الذي تريده إسرائيل وحدها، وهـو الأمـر الذي تدلل عليـه الوقائع في كل من مستوطنـة "معاليـه ادوميم" ومستوطنـة "اريئيـل " فقرار إنشاء الجامعة يتزامن مع خطـة استيطانية واسعـة من أجل خلق تواصل ديمغرافي يهودي بين أراضي الضفـة الغربية والتجمعات السكانيـة اليهوديـة داخل الخط الأخضر، أي فرض واقع جديد سيحول عمليا دون التوصل إلى تسويـة تفضي لوجود دولتين.
قبل أيام قليلة وقبيل أن يجف حبر قلمه -كما يقال- الذي صادق على قرارات الحملة الاستيطانية الجديدة يصف اريئيل شارون العرب بالكذب والتنصل مما يعقدونه من اتفاقيات ومواثيق بقوله" مع كل الاحترام للعرب فإن اتفاقاتهم وتصريحاتهم وخطاباتهم لا تساوي الورق الذي تكتب عليه" قيل هذا الكلام في قلب الولايات المتحدة وعلى مسمع من قادتها الذين روجوا للعالم تعهدات شارون بتجميد الاستيطان وإخلاء مستوطنات الأراضي الفلسطينية قبل الانتخابات الأميركية القادمة، في الوقت الذي تهدم فيه إسرائيل بضع وحدات سكنية استيطانية في غزة تأمر بإنشاء ألفي وحدة في شمال الضفة الغربية، وفي الوقت الذي اصبح فيه سكان محيط القدس في اغلبهم من اليهود تواصل إسرائيل ضخ المزيد من المستوطنين وبناء مئات الوحدات السكنية في شرق القدس المحتلة.
إن خطورة الهجمـة الاستيطانية الإسرائيلية لا تأتي من توقيتها الذي يأتي خارج سياق حركة التاريخ والأحداث ولا من ضعف اليسار الإسرائيلي الذي عادة ما كان يدعي مناوئة الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية، وليس من حالـة العجز العربي المزمن، بل الأخطر من ذلك في عدم رغبة العرب وهذه المرة حكومات وشعوب ومجتمعات مدنيـة بالعلم واخذ خبر بما يجري على الأرض، لقد اتخذ أساتذة الجامعات البريطانية قرارهم بمقاطعة جامعتين إسرائيليتين على مسمع أكثر من مئة ألف أكاديمي عر بي في حوالي (250) جامعة عربية، حيث جاء تسويغ قرار مقاطعة جامعة بارن ايلان الإسرائيلية بسبب دعمها إنشاء جامعة (اريئيل) التي ستدشن على أراضٍ فلسطينية محتلة، وإقامة جامعة في الجليل فـي(كرمئيل) ستقام على أراضٍ عربية مصادرة أيضاً، وقبل مرور اقل من شهرين على هذه المقاطعة ينجح اللوبي الصهيوني وجماعات الضغط المساندة له في ثني نقابة أساتذة الجامعات البريطانية عن قرارها حيث أعلنت قبل أيام عن تراجعها عن هذا القرار، وازعم انه لم تصدر برقية أو كتاب تأييد أو أي خطوة تضامنية من الجامعات العربية أو من المجتمع الأكاديمي العربي تدعم موقف الجامعات البريطانية ولم يتحرك آلاف الطلبـة العرب في الجامعات البريطانية خطوة نحو الأمام لرفع معنويات أساتذتهم في الوقت الذي نجح الإسرائيليون في كسب المعركة لصالحهم بكل سهولة ويسر.
ان ملف الاستيطان في تاريخ الصراع حول التسوية الذي ناهز عقدا ونصف، يكاد ان يضم كافـة أوراق التسويـة ومستقبلها فهـو المقياس الأكثر وضوحاً لمدى جديـة إسرائيل واتجاهات ارادتها السياسيـة، وهـو عنوان ملف حق العـودة وهو المرجعية التي من خلالها يمكن تصـور وجود دولـة فلسطينية قابلة للحياة كما يقول السياسيـون.
المراجع
جريدة الغد
التصانيف
صحافة د.باسم الطويسي. جريدة الغد