في اليوم السابق على كارثة جسر الأئمة على  نهر دجلة، كان حجم الحزن المنبعث من صوت شاب عراقي تحاوره فضائية عراقية اكبر من فصول المأساة والحزن في ملاحم بابل القديمة. كان الموقف يذهب بعيدا في تناقضات التاريخ وأحواله، وفي خواتم الاحداث ومآلها. الشاب العراقي الذي لم يتجاوز العقد الثالث من عمره يطالب، مع رغبة في البكاء، بعودة "بغداده" التي عرفها، وعودة شوارعها إليها، وعودة الناس آمنين الى بواباتها وجسورها وحاراتها القديمة، وكأنه يتحدث عن خبرة عمرها ثلاثة آلاف سنة، لا ثلاثة عقود من العمر!
دخل العراقيون مبكرا دورة الخوف والرعب التي يحسب الغرب حسابها، ويخشى ان تطاله بعض أطرافها، لكن العراقيين وحدهم الذين يدفعون الثمن قبل غيرهم، وكأن القدر التاريخي لهذا الشعب المعذب بالحروب والاحتلال والسياسة ان يدفع الثمن في كل مرة؛ في عهد القمع الرسمي زمن النظام السابق وفي عهد البحث عن الديمقراطية والموت المجاني بدون هدف او قضية. القصة العراقية تبدو اليوم وكأنها تدور في المفاضلة بين زمن القمع ودولة الحرب والحياة المرغمة، وبين زمن الوعد بالديمقراطية والاحتلال والموت المجاني.
كارثة جسر الأئمة التي أوقعت أكثر من ألف ضحية، ارتووا موتا بمياه دجلة قبل ان يبتل ريق احدهم بوعود الحياة الكريمة التي انتظروها عشرات السنين، هذه الكارثة تنذر بفصول متشائمة نتمنى ان يتجنبها الشعب العراقي. فعلى الرغم مما طالعتنا به أخبار الأمس من توافق هش يشير إلى الرغبة في عدم تحميل الحادث أي بعد طائفي، إلا ان مقتل الف انسان في مكان ديني، او في طريقهم اليه، وفي مناسبة دينية ذات رمزية طائفية، سيترك اثاره البالغة على مسار العملية السياسية والأوضاع الأمنية خلال الأسابيع القادمة، التي ننتظر فيها حسم ملفات عراقية هامة. ففي الوقت الذي حاول رئيس الحكومة العراقية صياغة موقف موحد لحكومته ازاء الحادث، اشتعلت التناقضات الداخلية بين كبار مسؤوليه، والتي لم تخل من تبادل الاتهامات والتنازع حول تفسير الحادث على اسس طائفية.
الوقت مازال مبكرا للحكم على الاتجاه الذي تذهب نحوه الاحداث، وما إذا كانت مقدمة فتنة وحرب طائفية ينتظرها العراق الجديد؛ إذ ثمة انغلاق أفق قاتم يواجه العملية السياسية في ملف الدستور وغيره من الملفات، والتي يحكم معظمها تنازع طائفي بائن بينونة كبرى. وثمة فرز في التعامل مع المقاومة والإرهاب، وكل أشكال استخدام القوة والعنف، على اساس طائفي. وعلى الحدود العراقية الشرقية، يتزايد الحشد السياسي والأمني والاستخباراتي الذي يصب الزيت على نار الطائفية. وفوق هذا كله، ثمة صمت وغموض، وربما تواطؤ أميركي لا ندري الى اين سيقود المنطقة بأكملها.
نعم، تجاوز الشعب العراقي اختبار الفتنة او الحرب الطائفية اكثر من مرة، وكان يخرج من كل منها اكثر صلابة، لكن الوقائع وبرامج عمل الآخرين وتدخلاتهم تأخذ المشهد العراقي في منحى اكثر خطورة، يفوق كل الاحتمالات. فحادثة جسر الأئمة، وان بقيت في إطارها الإنساني كحادث عرضي، إلا أن التوقيت والمكان وحجم الضحايا وهويتهم الطائفية تحمل الحادث أحمالا سياسية بعيدة المدى، ستتكشف بعض ملامحها خلال ستة أسابيع قادمة تفصلنا عن موعد الاستفتاء على الدستور، في أجواء ستكون الأكثر حساسية وحرجا منذ بدء التغيير في العراق. فمن المتوقع تصعيد أعمال العنف المسلح، وان يضرب الإرهاب المدنيين بشكل خاص في إطار عمل مقصودة لإثارة الخوف والرعب الجماعي. وهناك أخبار تتسرب بأن بعض العرب الشيعة يخططون للتسجيل في المحافظات السنية لتغيير موازين القوى في هذه المحافظات، مما يعني أفقا جديدا لمواجهات أخرى. وفي هذا الوقت تزداد التدخلات الإقليمية، وبالتحديد الإيرانية، في توجيه مسار الاحداث، حتى بات البعض يتساءل: من الذي يحتل العراق، الولايات المتحدة ام الجمهورية الإسلامية؟!
الأسابيع القليلة القادمة صعبة، لا مجال فيها للاحتمالات، والأمل الوحيد هو بعودة العراقيين الى بيوتهم، والتمسك بوطنهم والحياة. كان من المؤمل أن يكون الدستور وثيقة لتوحيد الشعب العراقي، لا أن يضع العلمانيين في مواجهة الإسلاميين، والعرب في مواجهة الأكراد، والسنة في مواجهة الشيعة، وحتى النساء في مواجهة الرجال، على حد تعبير أحدهم. كل ذلك بسبب اللهفة الأميركية على إنجاز الدستور في موعده، وكأن المطلوب أن يضبط الشعب العراقي مصيره وزمنه السياسي على عقارب ساعة الرئيس الأميركي.
تحمل الكارثة الإنسانية على ضفاف دجلة معان كبيرة، تشير الى حجم الخوف والرعب الذي زرع في العراق، وحجم ما يمكن أن تفعله إشاعة كاذبة بالناس! هكذا يلف الحزن دجلة من جديد ولا أحد يدري الى متى! الناس في العراق عافوا ما يحدث لهم باسم المقاومة والدستور والديمقراطية ولا يريدون أكثر من الحياة.

المراجع

جريدة الغد

التصانيف

صحافة  د.باسم الطويسي.   جريدة الغد