منذ سنوات وهنالك حملة تتزايد ضد ما يسمى جرائم الشرف، وقد وصلت إلى حد تنظيم تظاهرة في بداية العقد الحالي للمطالبة بمنع القتل باسم جرائم الشرف. وحتى اليوم وكلما ظهرت قضية يتم فيها قتل فتاة تحت اسم جرائم الشرف كانت المطالبة بإلغاء العذر المخفف، والتشدد مع من يقتل ابنته او اخته او زوجته بحجة ممارستها الخيانة والرذيلة.
وحتى لا يعتقد البعض أننا مع القتل وسفك الدماء. فإن الأصل الا يتم السماح بانتشار القتل الذي قد يكون احيانا لدواعي أخرى لا علاقة لها بالشرف. لكن هذه القضية لها ابعاد عديدة، يجدر استحضارها عند تناول الموضوع:
- إننا في مجتمع لا يقبل فعل الفاحشة او لحاق السمعة السيئة بالعائلة، حتى على سبيل الشبهة، وهذا الأمر لدى كل فئات المجتمع من المحافظين حتى اكثر الناس تحررا. الشخص قد يقبل ان يمارس كل العلاقات الرديئة، وأن يعتدي على أعراض الآخرين، لكن لو سمع كلمة عن اخته او أمه، يتحول الى شخص آخر، ومع رفض السلوكيات المتناقضة، إلاّ أنّ ذلك يكشف إلى أي مدى يلعب مفهوم الشرف دوراً كبيراً في مجتمعاتنا.
- الامر الآخر مرتبط بالمجتمع الذي يعاقب نصف الجريمة. فالأصل أن نشهد حملات منظمة ايضا ضد الفساد الاخلاقي وضد العلاقات غير الشرعية. فكلما انخفضت الممارسات الخارجة عن الخلق والدين والعادات انخفضت حكايات جرائم الشرف.
ليست الفتاة وحدها هي المذنبة، بل أي مسار في المجتمع يفتح الباب امام الرذيلة والعلاقات غير السوية، وكلما فتحنا الابواب اكبر للعلاقات المشبوهة وخرج المجتمع عن قيمه وأخلاقه كلما كان التشدد اكبر لدى فئات من المجتمع، حتى ولو بشكل ظالم.
- "جريمة الشرف"، أي الاعتداء على الاعراض، ليست الفتاة هي الطرف الرئيسي فيها وحدها بل ايضا الرجل الذي يمثل شريكا للمرأة التي تمارس الرذيلة باختيارها او يكون وحده اذا كانت القضية اغتصابا. فلماذا نمارس تساهلا مجتمعيا عاما مع جريمة الرجل ونتشدد في خطيئة المرأة مع ان الحكم الشرعي والعقوبة واحدة؟
المفارقة أننا قد نعتبر الرجل اللعوب الذي ينتهك اعراض الناس مقبولاً وشاطراً بينما نعتبر الفتاة خارجة على الخلق. مع ان الجريمة مشتركة، مما يستوجب أن نعمل على تغيير تعريف الفعل، فالرذيلة خروج على الدين والخلق والانسانية السوية ليس من المرأة فقط بل من الرجل ايضا وبالتساوي.
ولو تمت العقوبة في المجتمع للرذيلة على كلا الطرفين، ولو تم اغلاق الابواب امام كل اسباب الرذيلة والعلاقات غير الشرعية، ولو تم بناء حالة مجتمعية تمنع السلوكيات الخاطئة وتجرمها، لو فعلنا كل هذا لكان الأمر سويا في حل قضية جرائم الشرف، اما الاجتزاء فإنه قد يترك آثارا سلبية.
ليس من حق أي شخص قتل إحدى محارمه على الشبهة او تحت لحظة غضب، فالنفس لها حرمة والشرع جعل هنالك عقوبات قانونية تنفذها الدولة، ولهذا توفر سياق قانوني حازم في معاقبة جريمة الرذيلة، ومنع اسبابها يدفع المجتمع الى الوقوف بحزم اكبر ضد قتل النساء بحجة الشرف.
ما نحتاجه هو أن يتصدى علماء الدين الثقات إلى إعلان موقف متكامل من الرذيلة وتشديد العقوبة على مرتكبيها من الجنسين وايضا على جرائم الشرف، وعندها نخرج بسياق اجتماعي شرعي قانوني متكامل، وعندها، فقط، يكون الصوت منطقيا ومؤثرا في الوقوف في وجه كل من يمارس قتل إحدى محارمه من دون وجه حق او بالشبهة او لأسباب لا علاقة لها بالشرف!

المراجع

rumonline.net

التصانيف

صحافة  جريدة الغد   سميح المعايطة   العلوم الاجتماعية