ما زال شعبنا يتعامل مع الاستحمام وغسل الجسد باعتباره حادثة تستحق الثناء واطلاق كلمة «نعيماً» لكل من يخرج من الحمام، وما زلت أذكر شقيقي الذي حضر من الاردن ليقيم معي ويعمل في أبوظبي، الذي حينما رآني أخرج من الحمام وهو يقول لي «نعيماً» فما كان مني أنا الذي لم أسمع هذه الكلمة منذ قدومي الى أبو ظبي الا ان قلت لشقيقي « أرجوك لا تفضحنا وتقول لأي واحد هنا كلمة «نعيما»هنا لا أحد يستعمل هذه الكلمة لأن الناس هنا يستحمون ثلاث مرات في اليوم بسب أن الطقس هنا لا يسمح للمقيم بتأجيل استحمامه أكثر من يوم». وبالطبع لم يعاود شقيقي بعد ذلك استعمال تلك الكلمة، التي تبدو وكأنها مكافأة اجتماعية لكل من يحقق نظافة جسده بالماء. وقد جعلتني هذه الكلمة أفكر بالاستحمام باعتباره حادثة ترتكز على شح المياه في منطقة بلاد الشام عموماً، أو على أساس ان حادثة الاستحمام كانت تقام بشكل جماعي للابناء في كل يوم جمعة، حيث تتناوب العائلة بكاملها على استعمال «ليفة» واحدة، و»طبلية» خشبية واحدة، وسخان ماء واحد، وقد كنّا نشهد صوت الأم وهو يتجرّح بالنداء على الاولاد الواحد تلو الآخر، ومحاولة تملص بعضهم من هذا الانصياع الاغتسالي الجمعي. وقد فكرت أن سبب التعامل مع الاستحمام باعتباره حادثة تستحق الثناء، هو ذاك الطقس العائلي الجماعي للاستحمام. مناسبة هذه المقالة هو مطلع الصيف الذي حلً علينا مطلع هذا الشهر، حيث لاحظت أن الروائح التي كان يتستر عليه الشتاء ببرودته وبملابسه الثقيلة، قد دخلت في فضيحة التنشق، وأن معاناتي قد بدأت مع تلك الاجساد التي تقيم عداوة لدودة مع فكرة الاستحمام، حيث صار بالامكان تنشق تلك الرائحة الدبقة التي يطلقه ابط «الكنترول» في الباص وهو يتناول النقود من الراكب الذي يجلس خلفك، وصار بالامكان ايضاً أن تتحسس أرنبة أنفك وأنت تجلس في التاكسي الذي تحول بسبب معاداة السائق للاستحمام الى مكرهة صحية، وصار يمكن لك وأنت تدخل في احتشاد وسط البلد أن تشتم «أصنص» تلك الروائح التي تتطاير بالاحتكاك والملامسة. أقول هذا داعياً أن لا يستغرب أحد من معارفي ان رآني أضع كمامة على أنفي متحاشياً الروائح التي تطلقها بعض الاجساد في صيف يبشرنا بلهيب وعرق وفضيحة العدوانية تجاه الاغتسال والاستحمام.
المراجع
جريدة الدستور
التصانيف
صحافة خليل قنديل جريدة الدستور